مرحبا بك..... هنا ...


يمكن ان نخبئ كل الفنون /



( قصيدة ، لوحة ، زيي ، قصة ، لحن ، مبنى، منحوتة ، مخطط مدينة ، رقصة ) في خابية واحدة مادتها الجمال ..

وفاء الحسين

الجمعة، 2 مارس 2012

الإسلام وعمارة الأرض

جمال الهمالي اللافي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{
خَلَقَ الإِنسَانَ , عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)}- سورة الرحمن


رغم تراجع المسلمين عن الإسهام في صياغة الحضارة الإنسانية المعاصرة، إلاّ أن الإسلام كدين سماوي لا يزال يقدم نفسه- منذ بزوغ فجره على الإنسانية جمعاء- على أنه دين عبادة ومنهج حياة ، كتب انطلاقته الأولى مع بداية الخلق ونزول آدم أبو البشر عليه السلام إلى الأرض محملاً بجميع المعارف والعلوم التي تستوجبها قضية عمارة الأرض وإرساء دعائم العبودية لله الواحد القهار:
{
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)}- سورة البقرة.

وازداد تعمق وفهم البشرية ووعيها للكثير من الأمور المرتبطة ببيئتها عبر عدة مراحل من التطور التدريجي، الذي لم يكن من قبيل الصدفة التي نادى بها " داروين" عبر نظريته" النشوء والارتقاء"، كما أنها لم تكن مبنية على تراكم الخبرات البشرية- كما يشيع علماء الاجتماع في الغرب وتلامذتهم المتغرّبون-، وإنما هي نقلات نوعية حققتها البشرية من خلال سلسلة متواصلة من الرسل والأنبياء، الذين جاؤوا ليحققوا غايتين:
الأولى: وهي الأهم تصحيح الإختلال في عقيدة البشر والدعوة لتوحيد الخالق وأحقيته بالعبادة.
الثانية: استكمال مراحل عمارة الأرض، وبناء العلاقة المتوازنة بين الإنسان ومحيطه البيئي.

{
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61)}- سورة هود.

وسنسوق هنا بعضاً من هذه النقلات النوعية التي تمت على يد هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم السلام- بدءا من آدم أبو البشر عليه السلام وانتهاء بخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم- من خلال ما ورد ذكره في الكتاب الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه( القرآن الكريم)، ونلفت النظر هنا إلى أن هذه الأشياء لم يكن لها أصل أو وجود قبل أن يأتي بها هؤلاء الانبياء والرسل عليهم السلام:

1.
دفن الموتى/
{
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثـْـمِي وَإِثـْـمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ(29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ(30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ(31)}- سورة المائدة

2.
سفينة نوح/
{
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37)}- سورة هود.

3.
بناء البيوت بالحجر/
{
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين( 96 )}- سورة آل عمران.

4.
تأسيس علم نظم الإنشاءات في المباني/
{
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم( 127 )}- سورة البقرة.

5.
بناء القصور وصناعة الزجاج والغوص في البحار/
{
قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين( 44 )}- سورة النمل.

{
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ( 35 ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ (37)}- سورة ص.

"
أي أن صناعة البناء وصناعة الزجاج والغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ ليست اكتشاف إنساني بل هي من مهارات الجن التي تمّ توصيلها كخبرة للبشر بعد ذلك عن طريق نبي الله سليمان عليه السلام".

6.
تأثيث البيوت وبناء الحصون وصناعة الملابس/
{
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83)}- سورة النحل.

7.
صناعة الحديد/
{
وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)}- سورة سبأ.

{
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)}- سورة الحديد.

8.
الاقتصاد/
{
قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)}- سورة يوسف.

9.
صناعة السدود/
{
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)}- سورة الكهف.


الإسلام والعمران/
إدراك حقيقة أن رسالة الإسلام هي امتداد طبيعي لباقي الرسالات السماوية التي سبقته، ومكملة لها. كذلك الإقرار بإسهام الرسالات السماوية في إرساء دعائم الحضارة الإنسانية على وجه الأرض، سيقود إلى فهم وتبيان العلاقة بين الإسلام كرسالة سماوية وما أنتجته الحضارة الإنسانية في مجملها وما أنتجته في مجال العمران تحديداً، من خلال استعراض موقفين أعتقد أنهما يشكلان نقاط مرجعية لكل ما بعدهما من مواقف وأحداث في التاريخ الإسلامي:

الموقف الأول/ مرتبط بقصة سفّانة بنت حاتم الطائي حين مر عليها رسول صلى الله عليه وسلم وهي في السبي، فقامت إليه، وكانت امرأة ذات وقار وعقل، وقالت له:
«
يا محمد أرأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء من العرب فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيىء، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق». ثمّ قال:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". (صححه الألباني في الصحيحة).

حديث شريف، يرسي منهجا في كيفية التعاطي مع الآخر المختلف عنّا والمغاير لنا في منهجه وعقيدته، كما يؤسس لكيفية احتوائه، وذلك باحترام ما يملكه من قيم لا تتعارض مع الإسلام في شئ.

أما الموقف الثاني/ فيتعلق بوصية الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه التي ألقاها في توديع جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما المتوجه إلى مؤتة للثأر لمقتل الصحابة على يد الروم، حيث قال:
(
يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا فاذكروا اسم اللّه عليها. وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم اللّه).

ستة مبادئ استخلصها أول خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من حديث ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق):
1.
النهي عن الخيانة والغدر لما فيهما من نقيصة وتضييع للأمانات بين الناس، وهدر لحقوق الآخرين، ونقض للمواثيق والعهود، وفقدان الثقة بين الناس.
2.
الابتعاد عن الغلو لما فيه من تكلف وتشديد على النفس، وتنفيرها من قبول الدعوة.
3.
عدم قطع النخيل أو حرقه أو قطع الأشجار المثمرة ( رفض سياسة الأرض المحروقة التي تعتمدها الجيوش الصهيونية والصليبية والماجوسية). وعدم ذبح المواشي والأبقار أو الإبل إلاّ لضرورة الأكل.
4.
عدم إفزاع الآمنين أو ترويعهم من العبّاد والناسكين المنقطعين للعبادة، ولا شأن لهم بالحروب . وعدم تبرير هدم دور العبادة المتعلقة بالأديان الأخرى (يشمل النهي اليهود والنصارى فقط) لأي سبب كان. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256))- سورة البقرة.
5.
قبول ما عند الآخر من اختلاف لا يتعارض بالضرورة مع ما أحل الله من ألوان الطيبات( أكل، ملابس، فنون وعمارة، ثقافة، علم، سلوكيات وعادات، مكارم الأخلاق) ، وذكر اسم الله على كل شئ.
6.
التفكير يجب أن يتجه تحديدا لمقاتلة المحاربين الذين أعدوا عدة القتال للصد عن تبليغ دعوة التوحيد، وإيصالها للناس أجمعين. والنهي عن التمثيل بالقتلى في المعارك، لما ينم عنه من قسوة في القلب وتشفي وانتقام لا مبرر له، يفسد الغاية الأسمى من هذه الفتوحات. كذلك عدم التعرض للأطفال والشيوخ والنساء، لأنهم غير قادرين على القتال وعاجزون عن الدفاع عن أنفسهم.

بفهم الصحابة، رضوان الله عليهم جميعا، لهذين الموقفين وأبعادهما الأخلاقية استنبطت جيوش الفاتحين من الصحابة والتابعين خطاباً حضارياً تأسس منهجه على مجموعة من المبادئ، التي شملت كل مناحي الحياة، يستمد منطلقه من كتاب الله وسنة نبيه، والذي تجسد في كلمة الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه، لمّا دخل على ملك الروم: "إن الله بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" .وبه حملوا مشعل الحضارة إلى كافة أرجاء المعمورة:
خطابا ينبني على الصدق والوضوح وبساطة الطرح.
خطابا ينبني على الأمانة وحفظ العهود والمواثيق.
خطابا ينبني على الإنصاف ويستوعب الآخر برحمته وسماحته وعدله.
خطابا غير إقصائي ولا استعلائي، يقبل الآخر كما هو، ولا يملي عليه ما يجب أن يكونه.
خطابا يحترم معتقد الآخر ويستوعب ثقافته وقيمه ومنجزاته.
خطابا يقدم حلولا للمعضلات والإشكاليات التي تواجه البشرية جمعاء.
خطابا تفاعليا يقبل مثلما يعطي ويحترم تنوع التجارب والخبرات السابقة.
خطابا لا يتعارض مع السنن الكونية، بل يتواصل معها ويدعمها، ويعيد تسخيرها لما فيه خير البشرية.
خطاباً ينبنى على عمارة الأرض وليس السعي في خرابها، ويصون مقومات البيئة الطبيعية ولا يتعدى عليها، ويأخذ منها على قدر، بلا إفراط أو تفريط. كما ينبني على الاستعمار( من العمار) وليس الاستدمار( من الدمار).
خطابا منفتحا على كل مباهج وطيبات الحياة وألوانها ما لم يكن محرما بالضرورة لفساد منبته أو تحقيق ضرره على النفس والمجتمع.

ومن هذه المبادئ يمكن فهم الخطاب الحضاري الإسلامي من مسألة عمارة الأرض، فالمسلمون من خلال استيعابهم للسنن الكونية والخبرات الإنسانية المتعاقبة- التي هي نتاج رسالات سماوية سابقة- عند تعاطيهم مع البيئة الطبيعية واستيعابهم للحلول المختلفة، لم يكونوا بحاجة لتفكيك أي نسيج من أنسجة المجتمعات التي دخلوها فاتحين، فلم يتعرضوا لا للنسيج الاجتماعي ولا الثقافي ولا العمراني ولا الاقتصادي ولا العقائدي( اليهود والنصارى) ولا النفسي بسوء.

فالرسالة الأولى الصادرة عن نبي الأمة تدعو للإتمام وليس للإحلال، وتدعو للتعاطي مع كل ما يمر بالمسلمين في مسيرتهم الحضارية من منطلق التغيير للأفضل وعلى قدر الحاجة، واستكمال النقص ومعالجة القصور. وهذا ما جعلهم يقدّرون ما وجدوا الناس عليه، فأبقوا على ما هو قائم ولا يحتاج للإصلاح وانصرفوا لإصلاح ما عجز الناس عن فهمه واستيعابه. كما أخذوا عنهم ما ينفعهم وتركوا ما يضرهم أو يتعارض مع نصوص الشريعة الإسلامية السمحاء. وبذلك عمل الإسلام من خلال معتنقيه كبوتقة احتضنت كل الخبرات السابقة وأعادت صياغتها في قوالب جديدة، ومن تمّ إعادة توظيفها بطرق شتى تتماشى مع متطلبات العصر وحاجات الإنسان المتجددة.

وهنا يكمن سر الحضارة الإسلامية التي توجت بميلادها، لمرحلة جديدة أخرجت الانسانية من دهاليز الظلام الذي خيم على الانسانية لعهود طويلة من الجهل وفتحت أمامهم آفاقا جديدة من الفهم والإدراك للكثير من العلوم والمعارف والمعاني وتركت لهم مجالات ينطلقون من خلالها نحو إبداع لم تسبقهم إليه أي حضارة أخرى، مهّد الطريق لعصر النهضة العلمية والصناعية والمعلوماتية في العالم الذي دخلته الفتوحات الإسلامية ومنه إلى أوربا والعالم الجديد.

لم يجعل الله سبحانه وتعالى عملية التطور الحضاري للإنسانية عبر إلهامه للبشر عن طرق الوحي للعقل، بل جعل ذلك يتم عبر الوحي لأنبيائه، فهم من علّم البشر ما يساعدهم على تحسين ظروف معيشتهم على وجه الأرض، وذلك لأمرين:
أولهما: ليعرف البشر فضل الله عليهم وحاجتهم إليه، فيخلصوا له العبادة وحده.
وثانيها: لعلمه المسبق أن هناك من بني البشر من سيأتي يوماً لينسب الفضل في تطور الإنسانية إلى جهد عقل الإنسان وحده، وينسب بذلك الفضل لغير أهله، فيضل من ورائهم عبادا وتنحرف عقيدتهم من وراء مثل هذه التخاريف والمزاعم.

{
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( 3 )}- سورة المائدة

وبالتالي فإن الدعوات التي تقول بأن الإبداع الإنساني منفصل عن الإسلام كدين وبالتالي تضع الدين في مواجهة العلم، تارة كمتعارض معه، ومناهض له وسداً منيعاً أمام انطلاقته ( كما نادت بذلك النظرية الإلحادية الشيوعية على لسان منظرها ماركس في مقولته المعروفة: الدين أفيون الشعوب)، أو تجعله في موضع العاجز عن مجاراته أو مواكبته تارة أخرى. وهذه مغالطة كبيرة للحقيقة البيّنة، يراد بها من- أدعياء البحث العلمي المنهجي- المبني على قلب الحقائق ونسبة الفضل لغير أهله.

وهذا حال من قال ويقول، إنما أوتيته على علم من عندي، ومصيره كمصير سابقيه من أمثال قارون:
"
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين(77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)"، سورة القصص.

المصدر / مدونة الميراث /

http://mirathlibya.blogspot.com/

 

الثلاثاء، 14 فبراير 2012

من تجارب التجريد

اهداء لحبة قلبي ... سهى

 

الليلة عيد ميلادي .. بنسبق فيه أندادي ..

ابنطول فيه اشوية.. وعمري بيكبر عام ...

ايجني العاب هدية ..فحفلة تكون تمام ..

يارب يدوم هنانا .. و نعيشوا فخير بلادي

الليلة عيد ميلادي ..

 

كلمات الفنان الملحن  / محمد العربي

 

((  أن يحصل التوليف والتناغم ووحدة العمل البديعة في عمل فني  فيخرج ككل متكامل قوي الحضور والأثر ... أمر  ليس بمستبعد عندما يوحد الهدف والرؤية المبدعين فتجمعهم الأعمال الفنية  ..

 في مسرحية شروق التي يواصل عرضها المسرح الجوال مابين اجدابيا وقمينس وبنغازي ..  تألق السهل الممتنع كاتجاه وأسلوب وحوله اجتمع المبدعين .. فموضوع العمل هو قصة طفلة (شروق ) تحتفل بعيد ميلادها في 19 / 3 / 2011   فتحكم عليها قوانين الظلم بالموت وتنشر آلة القتل الظلام  في موعد ميلاد الشروق ..

فكرة تميزت بالبساطة والعمق .. وبوعي كبير من الشاعر خطاب الطيب خطاب  بأهمية التأكيد على وحدة العمل ..  فتناغم مع الموضوع في قصائد سهلة وخفيفة تفيض بالبراءة  وتتمسك بالبساطة .. و لا تخلو من التعبير والشعرية والإشارة التربوية الهادفة ..

ثم تلاقينا هذه النصوص في حلة من الحان الفنان محمد العربي التي  تكاملت مع روح البساطة واليسر وتجاوزت مجرد التوافق إلى  الإبداع ليتحول  العمل لتجربة من المسرح الغنائي الراقي الأكثر نضجا حققها استخدام ألآت وترية (تخت شرقي ) والحان تنهل من الأصالة ..  تشي بدراية وتمكن من  خصوصية الأغنية الليبية والإذاعية بالذات .. تلك التي رددناها جيلا بعد جيل كأغنيات المطربين / محمد السوكني ومحمود الشريف ..

 محمد العربي يحرك فينا شجون لأنغام تعلمنا بها الحب  والجمال .. فاض بها علينا الملحنين / إبراهيم اشرف و إبراهيم فهمي ويوسف العالم وغيرهم ممن أسسوا لأغنية ليبية ذات روح نابضة وصادقة ..  أغنية تشبه لليبيين..  فيها ما يحبونه من قيم .. الجمال والبساطة والخفة  التي تصل لحد التجريد كما في كل فنون الليبيين الأصيلة .. قلة العناصر والجمل الفنية .. وقوة الدلالة وكثافة المعنى وتحقيق المفاجأة من  خلال العادي والمألوف .. فن بلادي الذي  أخذته من امتدادها الواسع بين بحر ورمال .. فن بلادي الساطع تحت شمس الوضوح ..

فن تشعر عندما تلتقيه بأنك تلاقي حبيبا في ارض الغربة تحتضن فيه الوطن لأنه منه و به ..وهكذا كانت الحان العربي استمرار لهذا الإرث الجميل .. أروع ما فيها أنها تأتي في هذا الوقت تحيي فينا من النقاء ما نحن في أمس الحاجة إليه .. وبعد هذا التماهي الناضج مع العمل لا نستغرب ان   تجود روح الملحن  المبدع بكلمات أغنية لأحد المشاهد جاءت هي الأخرى بروح السهل الممتنع  التي اعتدناها من الشاعر خطاب الطيب  فشابهتها  وزادت من عقد البساطة حبة ..وهي اغنية / الليلة عيد ميلادي ..

والملفت في هذه الكلمات القليلة ان العربي يقترب من خيال الطفولة..  يسرد اكبر همومها في سلاسة .. يجمع في بعض سطور كل ما يعنيه العمر والاحتفال بالحياة لطفلة .. الحياة ذاك السؤال الكبير الذي يحيرنا نحن الكبار ..  فما بالك بالطفل .. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الشعراء عادة عن الطفولة كأنها السعادة المطلقة ..حيث يتذكرون طفولتهم برضا مهما كانت بائسة .. ينسون انهم كانوا يشعرون بالعجز والضعف مقارنة بالكبار .. الكبار الذين يفوقونهم حجما ومعرفة ودراية ويستحقون بذلك التقدير والثقة .. ثم  العمر الذي يتمنى الطفل ان يجري به جريا ليخرج من اسر الطفولة .. الا انه يعرف حقيقة واحدة وهي ان الهدايا والرعاية ستنقص كلما تحصل على التقدير والثقة .. حساسية الطفل تجعله قادرا كفاية على رؤية هذه الجدلية وغياب من يشاركه هذا القلق يضاعف من حجمها عنده .. محمد العربي يحدثنا عن فرحة الطفلة بالهدية والحفلة التمام .. ولكنه لا يغيب فرحتها بأنها ستطول قليلا وستكبر عام .. والاهم هو أنها ستسبق أندادها .. ستكون قادرة ان تقول لهم / انا اكبر منكم بعام ..

محمد العربي يكشف هذا القلق ويمكن الطفلة من التغني به حتى يتحول لاداة للمرح بدل من الخوف .. ويستغل هذا القرب الوجداني ليوصل رسالته بيسر بديع .. وهي ( يا رب يدوم هنانا ونعيشوا فخير بلادي ).. وهذا اهم  ما يمثله الوطن لطفل (الهناء والأمان ومصدر كل خير ، و المكان الذي نجتمع فيه مع من نحب )... نصوص وان كانت تتكامل مع متن العمل الفني الا انها تستقل عنه  بحيث يمكن ان تسمعها في أي مناسبة اخرى وتعيد توظيفها في عمل اخر وهذا مما يميز عناصر المكون التجريدي عادة  من استقلالية وقابلية للتكامل وتعدد زوايا التأويل .. و لغة برغم تناولها لموضوع مقترن بالحرب  إلا أنها   ترقى عن ما تثقل به الطفولة مؤخرا وبلا مبرر من بشاعة بدعوى الوطنية .. حيث  تمتهن الطفولة ويزج بها كأداة يتسول بها الشاعر او المخرج ليسوق عمله الرديء الذي يقدم للأطفال الوطنية ممزوجة بالانتقام والبذاءة والأحقاد والمواقف السياسية الغير واضحة بالنسبة للطفل .. محمد العربي يعبر بعذوبة نحو قلب طفلة ينفض عنه كل تلك القسوة المنتشرة كوباء ويقول لنا .. يكفي الطفل ان تشاركه همه وتخفف قلقه وتغلف بالحب رسالتك التي ستزرع فيه وتنضج معه .. ))

 

 

الجمعة، 3 فبراير 2012

في مولد النبي

مــــــــن أجمل ما مدح به النبي صلى الله عليه وســـــــلم قصيدة (ولد الهــــــدى )
لأمــــــــير الشعراء أحمد شـــــــوقي..
كانت من رائعـــــــــاته التي خلدته بمدحه سيـــــــد الخلق
حبيبنا ونبينا محمد صلــــــــــى الله عليه وسلم..

وُلِـــــدَ الـــــهدى فالكائنـاتُ ضـــــياءُ
وفمُ الزمــــــــان تبســـمٌ وســــــــناءُ

الــــــروحُ والملأُ المــــلائكِ حـــــولهُ
للــــــدين والدنـــــــيا بهِ بُشــــــــراءُ

والعــــرشُ يزهو والحظيرةُ تزدهــي
والمنتـــــهى والسـدرةُ العصـــــــماءُ

والوحــــيُ يقطرُ سلسلاً من سلـــسلٍ
واللـــــوحُ والقـــــلمُ البــــــديعُ رواءُ

يا خــــير من جاء الوجــــــود تحــية
من مرسلـــــين إلى الهدى بك جاءوا

بــــــك بشرَ الله الســــــماء فازّينـــت
وتوضـــــــأت مسـكاً بك الغــــــــبراءُ

يـــــومٌ يتيهُ على الزمـــــــان صباحهُ
ومســــــــــاؤه بمحــــــــمدٍ وضـــــاءُ

يوحــــــي إليك النـور في ظلــــــمائهِ
متـــــتابعاً تجـــــــلى به الظلــــــــماءُ

والآي تــــترى والخــــــــوارق جـمةٌ
جبــــــــــــريل رواح بها غــــــــــداءُ

ديــــــــنٌ يشيد آية فــــــــي آيـــــــــة
لبـــــــنائه السورات والأضــــــــــواءُ

الحـــــق فيه هو الأساس وكيــــف لا
والله جـــــــــــــــل جلاله الــــــبناءُ ؟

بك يا ابــــــــن عبدالله قامت سمــحةٌ
بالحــــــق من ملل الهدى غــــــــراءُ

بنيـــت على التوحيد وهو حقـــــــيقةٌ
نادى بها سقـــــــــراطُ والقدمــــــــاءُ

ومشـــــى على وجه الزمان بنــورها
كهانُ وادي النـــــــــيل والعـــــــرفاءُ

الله فــــــوق الخلق فيـــــــــها وحــده
والناس تحـــــــــت لوائها أكــــــــفاءُ

والديــــــــن يسرٌ والخــــــــلافة بيعةٌ
والأمرُ شـــــــورى والحقــوقُ قضاءُ

داويـــــــت متــئداً وداووا طــــــــفرةً
وأخفُ من بعـــض الدواء الـــــــــداءُ

الحــــــــربُ في حقٍ لديك شــــــريعةٌ
ومن السمـــــــــوم الناقــــــعات دواءُ

والــــــبر عنــــــدك ذمةٌ وفريضـــــةٌ
لا مـــنةٌ ممــــــــنوحةٌ وجــــــــــــباءُ

جاءت فوحــــــدت الزكــــــــاة سبيلهُ
حتى التــــــــــقى الكرماء والبـــخلاءُ

أنصـــــفت أهلَ الفقرِ من أهــلِ الغنى
فالـــــكل في حقِ الحـياة ِســــــــــواءُ

يا من له الأخــــلاقُ ما تهـــوى العلا
منــــــها ومايتعـــــــشّق الكـــــــبراءُ

زانتك في الخـــــلق العظـــــيم شمائلٌ
يغرى بهـــــــــن ويولعُ الكــــــــرماءُ

فإذا سخـــــوتَ بلغت بالجـــود المدى
وفعلـت ما لا تفــــــعلُ الأنـــــــــــواءُ

وإذا عفــــــــوتَ فقادراً ومقـــــــــدراً
لا يستهين بعــــــفوك الجُهـــــــــــلاءُ

وإذا رحِمـــــــــتَ فأنـــــــت أم أو أب
هذان في الدنيا هــــــــــما الرحـــماءُ

وإذا خطبتَ فللمــــــــــنابر هـــــــــزةٌ
تعـرو الندى وللقلــــــــوب بــــــــكاءُ

وإذا أخــــــذتَ العهد أو أعطــــــــيتهُ
فجمــــــيع عــهدك ذمــــــــةٌ ووفــاءُ

يا مــــــن له عزُ الشفاعة وحــــــــده
وهو المنـــــــــزهُ ماله شفـــــــــــعاءُ

لي في مديحك يا رســــــولُ عرائـسٌ
تيمن فــــــــيك وشاقـــــــــــهن جلاءُ

هن الحســــــــان فإن قبلت تكــــــرماً
فمهــــــــورهن شفاعةٌ حســــــــــناءُ

ما جئــــــــتُ بابك مادحاً بل داعــــياً
ومن المـــديح تضـــــــــــــرعٌ ودعاءُ

أدعوك عن قومــــي الضـعاف لأزمةٍ
في مثلها يلــــــقى عليك رجــــــــــاءُ

السبت، 28 يناير 2012

فرحة

 


إهداء للصديقة الشاعرة تهاني دربي
بمناسبة  عودة التهاني لدربي


فرحة


يا شوق حسبك قد أرقت أجفاني .. ويا
غرام ......بدأنا عمرنا الثاني


اليوم جاءت على يأس رسالتها .. جذلى.....تواصلني
من بعد هجراني


كانت سلاما" وبردا" بعد
بلبلة" .. فحبذا هي في روحي ووجداني


كبرت حتى كأن الكون يصغر بى .. وطلت
حتى كأن النجم داناني


وزغردت فى ضلوعي ألف أغنية .. وماج
بالزهر والأثمار بستاني


أعادت البسمة الجذلى إلى شفتي .. عود
الربيع على أطراف نيسان


قد لملمت بيد الإحسان بعثرتي .. وهدهدت
ببنان اللطف أشجاني


فصاغ ما كان مرا"- قبل- في شفتي
.. وأحلو ما كان- عندي – غير مزيان


حسن السوسي

السبت، 7 يناير 2012

في يوم مولدي

 سأخبر الشتاء باني أحبه ..
هكذا يقول الشاعر علي الفسي .. وهكذا أجبت زبونتي عندما سألتني لما لا تصممي
البيوت الا في الشتاء.. هل للعمل الهندسي مواسم ..؟ ثم اعتبرت نفسها محقة عندما
قدمت لها تصميم تحاكي زواياه تفاصيل الشتاء ..نعم للعمل الهندسي مواسم .. بل للعمل
المكتبي ككل .. لان الشتاء موسم الجلوس والليل الطويل وعادة ما ينقسم العمار الي
موسم تصميم ودراسة وموسم تنفيذ .. فان كان الصيف موسم التنفيذ حيث لا مطر يحملنا
عبء النقل والتشوين والتخزين ويفسد علينا صب الخرسانة وخلطها وحيث النهار الطويل
فرصة ليومية عامل منخفضة السعر وبأقصى أداء ممكن.. فان الشتاء موسم التصميم حيث
نطيل جلوسنا لمكاتبنا نحتسي قهوتنا أو شاينا ونستغرق في خيال التقوقع ننكمش مع
ذواتنا  لنلتقي الفكرة ثم لنقنعها بان تنفرد
مخططات صريحة تدفئ الورق ...وبما إنني من مواليد الشتاء.. لي معه شجون أخرى .. عندما
نولد في الشتاء نفاجئ بالانتقال من دنيا الرحم الدافئة الى عالم البرد الموحش..
نبقى نختزن في ذاكرتنا العلاقة بين البرد والوحشة ..نشعر ان بيننا وبين البرد حرب
باردة مثله .. حرب مزمنة لان البرد لا يقهر .. لذا تصبح إشاعة الدفء والتدفئة هم يتصدر
اهتماماتنا او حتى همومنا .. هل اكره الشتاء ..؟اكره البرد وأحب الشتاء ..  والفضل كل الفضل للنار ..  ومعدات التدفئة  وأطعمة الطاقة تلك التي تحول الشتاء لحدث رائع
.. في الشتاء فقط يمكن ان تشاهد الحيوانات بل كل الكائنات تضع خلافاتها جانبا وتلتصق
ببعض استسلاما لغريزة البقاء.. في الشتاء فقط يبقى الجميع في البيت يلتفون حول
النار ويتسامرون في ليال طويلة باردة ودافئة ... في الشتاء يبدأ نشيد المطر وحملة الوجود الكبرى للتطهر ..  ومشهد الأشجار وهي تغتسل لتعاود مع طلوع الشمس
التسبيح .. في الشتاء استمتع بإحساس الرضا وانا أراهم يأكلون أطباق (المقطع و
الدشيشة) والحساء لتدفئهم واوهم نفسي بان مهارتي سبب شهيتهم المفتوحة .. في الشتاء
يصبح للروائح والنكهات حضور طاغي وعميق .. فيتألق الزنجبيل والقرفة في الشاي
والسحلب.. ويمتزج الشاي الأحمر بالإكليل ويتسيد الزعتر قصعة الحساء .. وتفضح
البرتقالة من يقشرها .. ويصبح من الطبيعي جدا ان نتجول بالمبخرة بين الغرف بمناسبة
وبدون مناسبة ..  ويعلمنا الوجود كيف ننتمي
له برائحة الأرض المبللة بالمطر ..في الشتاء يحب الناس البيوت والزوايا .. يجدون
وقت لتأملها وتقديرها .. في الشتاء فقط يمكنني ان احدث زبوني عن أهمية وجود زوايا جلوس
في مواقع مغلقة وضيقة .. أتفهم كوننا نحب الاتساع لأننا نعاني الضيق وغالبا ما
يتمرد احدنا على الحوائط والجدران ويرغب في فراغات مفتوحة يطلق نظره خلالها ويرحب
بالضوء.. ولكن لو كانت زبونتي جاءتني صيفا لكانت مثل غيرها تصر على فراغات مفتوحة يتحول فيها البيت الى فراغ واحد وكأنه
مستودع  في ميناء.. طبعا هذا جميل من ناحية
ما ويناسب الصيف لحركة هواء أكثر ولكن اسألها .. أطفالك ألان أين يجلسون في اكبر
مساحة ام في أضيق مساحة من البيت ..؟ وتبتسم مجيبة انهم في المكان الأضيق . لا
اقصد الدعوة للضيق بل اذكر زبوني بحق أبناءه في ذكريات دافئة عن البيت تكون نواة
لحب الوطن والناس فيما بعد .. الجدار وهو مفردة التكوين المعماري الأولى .. هو
كائن ممقوت في العقلية الليبية لأننا نعاني التقييد ويرمز هو للقيد ولكن ننسى في
رد فعلنا الانطباعي انه ملجئ وستر وحماية ... ازور زبائني في بيوتهم وأتعمد إزعاج
مضيفتي بالتطلع من زوايا النظر الممكنة لأنني اعرف أنها لا تقدر أهمية ان زوايا
بيتها تتمتع بالخصوصية فأزعجها ثم اقول لها/ جئت هنا متعمدة لأفعل هذا لتحمدي الله
على كل جدار كان في طريق عيني الفضولية .. ثم لأسمح لنفسي ان امنعها من ان تفتح
طابقين على بعض بما يسمى بالدوبلكس خاصة في مواقع الجلوس حيث يتسع حجم الهواء
ويصعب احتفاظه بدرجة حرارة ثابتة وكذلك الحمامات الكبيرة التي تبقى باردة الى ما
بعد الحمام فتسبب بأمراض البرد لمستخدميها وخاصة ان كانوا أطفال .. وحتى تتفهم
وجود غرفة للملابس بالقرب من الحمام حتى لا يضطر الطفل للدخول لدرجة حرارة الغرفة العادية..
وحتى و حتى و حتى .. وحتى انتهي من كل التفاصيل التي أراها مهمة ليحب الناس بيوتهم
ويسكنوا فيها .. فما أهم ان يشعر الكائن بالدفء ليستكين ويقر ..أحب الشتاء لان الشتاء
هو من يجبر الكائنات على التكافل والتقارب ..كما يجبرها على السعي طوال العام
لتتحضر لموسم من السكون .. أصمم مسكن أليس من حقي ان ابحث عن أكثر مواسم العام
سكونا ..؟


العمارة هي فن إعادة صياغة الفراغ ليحاور البيئة ويصنع
بيئات جديدة تهدف كل منها لتحفيز سلوك بعينه نسميه ( النشاط ) ومجموع الأنشطة يعرف
الوظيفة التي هي الغرض من البناء.. فالى جانب حرصي على الوظيفة والحركة ويسر
الانتقال والتهوية والعزل الصوتي وخلافه احرص أيضا أن مستخدمي الفراغ يحبونه
ويحبون من خلاله الحياة .. وليس أفضل من الشتاء معين لي ..  تلك السيدة خرجت فرحة بغرفة شتوية وأركان جلوس
متفرقة في بيتها و (منور اللمة ) .. وهو توقيعي .. أو حنظلتي .. حيث اضمن كل
البيوت مكان معزول حراريا ومتصل بصريا يسمح بمشاهدة المطر والخضرة ويمكن عزله عن
البيت أثناء الشواء ويمكن فتحه عليه بعده.. حيث  يشعرني بالنصر كل من
يجلس في بيته يستمتع بالدفء ويرقب المطر ويوقد كانونه يعطر المكان بروائح الفحم
والشاي.. ويقول للبرد زمجر بعيدا أراك ولا تصلني .. احب الشتاء .. بالتأكيد لأني استعدت
فيه ثلة من الأحباب كنت أعاني برد وحشتهم ولأنه سبب تجمعهم اليوم لشوي الكستناء
والبطاطس الحلوة .. وإلا لكان يوم مولدي مملا كغيره نكتفي فيه بقالب الجاتوه في
الصالونات.. أما هذا العيد فزاد من جماله أنني  اجلس هنا أتشمت بهم وهم يعانون الفشل في شي
القسطل وهو (يطرشق ) ويتناثر هنا وهنا ..لألقنهم درسا يعترفون بعده أن لا يفهم
فاكهة الشتاء إلا من ولد معها ..


 

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

تقاسيم مختارة ..من مقام الدكتاتور...3

كلما انتحرنا

كلما انتحرنا
بوهم الباب لكي نُصَدِّقَ أنه موصدٌ مثل جدار نعود فنتذكر بأن ثمةَ أشياءٌ جميلةٌ تُغري بمغامرةٍ أخرى كان علينا أن ننجزها قبل ذلك فينتابُنا بعضُ الندم ونحاولُ أن نتراجَعَ متداركينَ أمراً يكادُ يكونُ تدارُكُه مستحيلاً وحالَمَا نَعودُ عن انتحارِنا ويَحْدُثُ هذا مراتٍ كثيرةٍ في الحياة لكي نُنْجِزَ ذلك نكتشفُ أن أحداً غيرنا قد بادرَ في تَوَلّي ذلكَ عنا عندها لا يعودُ لوجُودنا مثل انتحارٍنا معنى
كلما انتحرنا
لكي نؤكدَ للآخرين أنهم بالغوا في العَبَثِ بنا اكتشفَ الآخرونَ أن ثمةَ حَمْقى يتوجَبُ تلقِينُهم دَرسَاً في اللياقة لئلا يبالغوا في الاستهانة بالقناديل وهي تَرْسُمُ الخَرائِطَ ويُخالِجُنا شَعورٌ بَضَغِينَةٍ غامضةٍ تجاه هؤلاء مَنْ لا يَرونَ في انتحارِنا غيرَ العَبَثَ بالحياة ونَوَدُ ساعتَها أن نعُودَ لكي نَشْرَحَ لهم بِسَرْدٍ أكثرَ ضَراوةً من النص لئلا يكونَ سوءُ الفَهم هو آخرُ ذكرياتهم عنا وعندما نتمكن من العودة ويحدث هذا بمعدل تسعَ مرات في حياةٍ واحدةٍ ونجلس إلى هؤلاء في محاولة لتفسير ذهابنا بهذا الشكل أو ذاك لا نرى أمامنا غير أحداق زجاجية تحملق في فراغٍ هائلٍ وفيما نتوغلُ في الشَرحِ يكون هؤلاء شبَه غائبين كما لو أننا نتحدثُ إلى كائناتٍ غير موجودةٍ ونكاد نشعر أنها غير حيةٍ أيضاً وقتها ينتابُنا الشَكُّ ما إذا كنا قد عُدْنا من هناك أمْ لا
كلما انتحرنا
وأغلقنا النافذةَ الأخيرة خلفنا سَمِعنا باباً لا يزالُ موصداً هناك يُصدِرُ صَريراً مثلَ مُغادرة الغائبِ ونُدركُ أن ثَمةَ أشخاصاً ساهموا في مغادرتنا باكراً بشكلٍ مباغتٍ وحالما نُديرُ أعناقَنا نشاهِدُ الأشخاصَ ذاتَهم يَضَعُونَ خدودَهم المجَرّّحَة بالدموع على عتبة الباب في محاولة لاستعادتِنا ثانيةً لأجل الاعتذار فنتبادل النظرات عن كثبٍ مثل سُجناء يَرقَبُونَ سِرداباً حَفَرُوهُ متجنبين لحظةً مناسبةً للهَرَبِ فنَقِفُ كَسِيرِي القُلوبَ ويكون قرارُ العودةِ قد تَمَّ انجازَه في أذهانِنا فثمة أملٌ في التفاهم مع أولئكَ الذينَ يزعمون تركَ الباب موارباً فيما يُحكِمُونَ إغلاقَه بصلافة السجان وما إن نَضعَ أنفسَنا تحتَ أمرتِهم مجدداً في محاولةٍ لتفادي الانتحار ويحدُثُ هذا كثيراً في الحياة التي لا يمكن تفاديها غالباً يكون الأشخاصُ قد جَفَّفُوا دمُوعَهم سريعاً واستعادوا هيئَةَ القُضاة وطبيعةَ الضِِباعِ النشيطة ليبدو الخطأ ليس في الانتحار لكن في العودة عنه
كلما انتحرنا
في محاولة لإقناعِ امرأةٍ بأنَّ الحبَ هو أيضاً سَببٌ للموت نكتشفُ أن تلك المرأة يمكن أن تَجِدَ مَجْداً في اقترانِها بشَخْصٍ غائبٍ أكثرَ من اقترانِها به موجُوداً مما يجعلُ شُعورنا بفداحة الخسارة مُضاعَفاً خُصوصاً إذا كنا نرى إليها من هناك وهي تَستَدِيرُ بكعبِ الفُولاذِ يَكُزُّ على عَظْمَةِ القَلبِ نحو أولِ شخصٍ لتبدأ في التَغْرِيرِ به وإقناعَه بالانتحار لأجل إقناعها بأن الحبَ هو أيضاً سَببٌ جديرٌ للموت فَنَكُفّ عن المبالغة في الانتحار ونستديرُ عائدينَ ويَحْدُثُ ذلك على الأرجح في حياةٍ لا تُحْتَمَلُ لكي نُحَذّرَ شخصاً من مصيرٍ وشِيكٍ غيرَ أننا نكونُ قد تأخرنا عن ذلك حيث يصادفنا شَخصٌ في منتصف المَصيرِ على شَفِيرِ النهايات
كلما انتحرنا
لكي نختبرَ قِدرةَ الكتابة على تأجيلِنا نجدُ أن كتبَاً كثيرةً موجودةً لنا موجودةً فِينا ويتَحَتَمُ علينا لكي نتأكدَ من قِدرتِنا على الغياب أن نعيدَ كتابتَها مراتٍ أخرى من أجل تفادي أخطاء اللغة والمطبعة والقراءة
أخطاءٌ عادةً ما تكون السبب المباشر لسوء التفاهم الذي يَحدُثُ بيننا وبين الآخرين ولا نجدُ وسيلةً لتوضيح ذلك إلا بالعودة عن الانتحار لبعضِ الوقتِ لتلقين الناسَ طريقةً جديدةً في قراءةِ الكتب فنؤجِّلُ توغلَنا في الانتحار ويحدثُ هذا على الأرجح مرةً كلَ يومٍ في حياةٍ ضيقةٍ لكي نرقبِ الكتبِ وهي تستعيدُ حياتَها في سديمٍ من النسيانِ فالكتُبُ ليستْ الوسيلةُ الناجِعَةُ لتأجيلِ الموتَ ولا هي قادرةٌ على استحضارِ الموتى ولا فائدة من الحبر والورق في سياقٍ يَنْقُضُ النَصَّ والشّخصَ في آنْ.
كلما انتحرنا
لكي نتفرَّغَ وحيدين، للتمتع بحياتِنا بمعزَلٍ عن الذين ظلوا يُفسِدُونها علينا طوالَ الوقت نَجِدُ أنفسَنا محاطِينَ بطقُوسٍ تَسْتَوجِبُ الإصغاء لأكثر الأحاديث فَجاجَةً من كائناتٍ لا تُحْسِنُ غيرَ التأنيب المُفْرط في بلادتِه بِحُجة أنَّ في الحياة ما يُوَفِرُ لنا المتعةَ وأن المتعةَ لا تكتمل بغير الناس لنجدَ أن الانتحارَ لم يكنْ قراراً حكيماً فنحن لم نَنَلْ غيرَ خَيارٍ واحدٍ هو مواجَهةُ من تَوهَمْنا الفَرار منهم فَنَفُرّ ثانيةً ويحدث هذا لنا بوصفِنا أكثر المنتحرين سذاجةً وأضعَفَهُمْ فَراراً إلى الحياة بهدف تفادي توفير الفرصة لمن يريد أن يستفردَ بنا هناك
كلما انتحرنا
وجدنا أن بشراً أكثر بسالة منا قد سبقونا إلى هناك وهذا ما يجعل انتحارنا ضرباً من العبث الفاتن أو هو نوعٌ من الإستعادات المألوفة فهناك بَشَرٌ أكثر سَفَاهَةً ذَهبُوا قبلنا لكي ينتظروا حضورنا مما يجعلُ الانتحار نزوة ليست مأمونة العواقب خصوصاً إذا كانت صادرةً عن هروبٍ من ثقل الواجب المشحون بتفاصيلَ تُفسِدُ الحياةَ والأحياءَ فإذا بها نزهةٌ تُفسِدُ الموتَ على المنتحرين فنتكاتَفُ مثلَ كتيبةِ من الفِيَلة مسرعين إلى العودة عن الانتحار ساعتها يكون الوقت قد فاتَ فالطريقُ مكتظةٌ ببشرٍ في هيئة الفِيَلة تَتَخَبطُ في بحيرة عميقةٍ من الطين فلا تُتاحُ لنا فرصةَ العودة وهذا يَحدُثُ عند التظاهر بالعودة من الحياة والانتحار معاً
كلما انتحرنا
لكي ننسى نذكر أن ثمة تجربة جديرة بالاختبار هي النسيان والجلوس في الشرفة والنظر إلى الحياة وهي تمر عابرة أمامنا مثل شريط من الفيلم الخام لنرى ما يحدث للشخص حين ينتحر.

قاسم حداد

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

تقاسيم مختارة.. من مقام الدكتاتور ...2

ما لا يسمى
عندما أسمُكَ في طريق
ورأسُكَ في طريقٍ أخرى
تَتَقَهقَرُ بِشَهوَتِكَ إلى عَتْمة الأزقة
نحو خزائن التجربة
لتسعف الرجفة الخفية
رعشة مسوّرة باحتدام الجموع
وهي تتخطّفك
مستصرخاً ذاكرة الشِراك
من أين إلى أين ؟
تضع لاسْمِكَ الأسبابَ
لتذهبَ بكَ في مسارب رؤوسٍ محتدمةٍ
تضطرمُ بحرائق الطريق
تضعُ له ما يُسْعِفُ الشارعَ بالحَجر العتيق
بأشلاء رغبات تنطفئ في صراحة الشمس
تضع له رأسك المكنوزة بخبرة الخرائط
وشهوة العمل
تضع لاسمك زهرة الرأس
كمن يبذل وردته على جنازته
عندما سُبلكَ أكثر من أقدامك
وأسلحتك في مزاد السماسرة
يفيض رأسك بزادٍ يكفيك
ويصونك من مائدة مثقوبة بفاكهة تفسد
لفرط الأسلاف
ينالها العطبُ ويطفح بها التفسير
تتقهقر مطأطئ الرأس
نحو غبار المخطوطات
في تاريخ الجسد ووحشة الروح
تنحدر بك حشود الشارع في ليل واضح
في ذبائح مهدورة
في ماء قديم يأسن
في ذخيرة مبتلّة بزفير التجربة
في غفلة البصيرة وكسل المخيلة
تنحدر
ورأسك كنيسة النوم
عندما رمادك يبرد
تكـرُّ عليه ضباعُ المستنقعات
يُسمِّيكَ ما لا يسمى
تسألُ ضميركَ صراحةَ الهواء
وأنت خَدِينُ الخذلان
يشدّك حشدُ الشارع
مأسوراً بقديم الجراح
فيطيش عليك فيضُ الأساطير
تطير في وجهك غربان الغابات
يغطِّيك كرادلةُ الكهوف
بأوشحة كثيفة كتعاويذ الوهم
يَغُرُّونَكَ
يُغوُونكَ بجنّةٍ تَنْجُو منها
عندما تنسى
يسمِّيك ما لا يسمى
سيف النسيان عندما تنسى
تحت قميصك المليكُ في حريته
تحته الطيور والأجنحة
وها أنت تفقد المعدنَ الخفيفَ
تفقد حريةَ الهواء
كأنكَ تفقدَ النصَّ
تنسى أنك رأسُ الهجوم
في جيشٍ يقهر الكتبَ وهي تنسى
تطير بأجنحتك في هواءٍ فارهٍ




لماذا رأيتَ في أدلاّءِ التيهِ نجمةَ المنعطف
وفيهم مَنْ يَشْحَذُ ضوارِيهِ في النَّحْرِ
ممعناً في براءةِ أخبارك
لماذا رأيتَ في مغاراتهم آباطَ الدفء
وفي زَرَدِ خِطابِهم الفَجِّ حَرِيرِ الحنانِ المفقود
لماذا . مثلَ طفلٍ
تلعبُ به غريزةُ اللهو ، يُخَبّئُ النارَ في ثوبِه
لماذا وضعتَ رأسَكَ الناضجةَ
في خدمةِ الاسم المُغْتَرّ بسمتِه
مأخوذاً بعناقات تهيّجُ الجموعَ
متجرعاً شجاعةَ البرزخ
بينَ أن تكونَ عدواً ماثلاً
أو خصماً في الظَنْ
لماذا . عندما رأسُكَ ضحيةُ اسمٍ يتلاشى
في ظهيرة ليلٍ يتظاهَرُ بطبيعةِ النهار
امْتَدَّ بكَ الحُلمُ في يدينِ مغلُولَتَينْ
لماذا عندما نَهَضْنا بِكَ
تُريدُ أنْ تُجهِضَ زَهرةَ يأسِنا
وتُرَشحَ حَيزومَ سفينتِنا المكتنزةِ
لصخرةِ الجبل
ماذا تَعرفُ عنا
بذلنا لك جنونَ القلب
لئلا ينتابَكَ ما لا يُسمّى
وقُلنا لك هذا القلبُ لكَ
حِصْنٌ يَصُونُكَ
فاشَمخْ به
يَتَمَجّدُ بكَ و يَنْهَضْ.
***
قاسم حداد

السبت، 12 نوفمبر 2011

تقاسيم مختارة ... من مقام الدكتاتور .. 1



جدارية ( غورينيكا ) للفنان الاسباني بابلو بيكاسو ،1937

ما لأحد مثلنا
ما من شعوب تزعم تكبّد الخسارات
وتجرّع الهزائم
وهَدْر القرابين
مثلما نفعل،
من غير حكمة ولا درسٍ ولا موعظة.
ما من شعوب تخضعُ لعسف حكّامها
وتبجِّلُ جلاديها
وتستجيرُ بالجحيم
مثلما نفعل.
نحن جوابو الجهات
نحسن غزلَ الشِباك لخطواتنا
نصقل جمرَ المواقد لتصهرَ المسامير
وهي تنغرس في لحمنا حتى خشب الروح
نغيّـرُ جلودَنا لكل سوطٍ
ونتضرع للنصل لئلا يكفَّ
ونعضّ عليه بالجراح
نقرأ مصائرنا في الليل
وتقودنا الكتب.
صَـبَّ اللهُ الأصنامَ لنا بالدوارق والأباريق
طواطمَ تجثم على الأكباد
تصهرنا في جبل الفولاذ،
آلهة تعبثُ بلا غضبٍ ولا ضغائنَ
تضعنا في غرفة الصاعقة
وتصفق الباب خلفنا
وتنسى.

***


فكرة العمل
الفارغُ من الدلالات
كلما بالغَ في طرح صوته
ضاجاً
مجلجلاً
يجهر بجرأة خطابه الفجّ،
كلما شَـغـرَ به المكان
وفرغت التجربة من أخباره
وخرجَ عن فكرة العمل.
كلما تكاثر بالكلام
شحّتْ دلالاته
وشَحُبَ المعنى

***

خطيئة 3
أيها الملك ..
نحن رعاياك الذين تباهي بنا الأمم :
لقد سئمنا هذا المجد .
***

قاسم حداد

الأحد، 6 نوفمبر 2011

اضحى مبارك




كل عام وانتم بخير إخواني المسلمين ..الموحدين ..
اليوم أردت تهنئتكم بالعيد وبحثت عن كلمات للتهنئة ..بحثت عن الجميل حولي ... لأهديه لكم فلم أجد أجمل منها , لم أجد إلا نورها يملأ قلبي .. تلك الجميلة ، المحبة، المؤمنة ، الودودة ، الحكيمة ..أمي وأمكم هاجر عليها السلام ، أم سيدنا إسماعيل وزوج سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء عليهما السلام ، كلما جاء موعد الحج أو العمرة كانت سيرتها رفيقتي سيرة تغذي الروح وذكرى تقوي اليقين بامتثال صبرها وتوكلها .. سيرة من فرادتها لا يصل لها الخيال ولا تنتهي الاستزادة منها .. فأي أنثى تنشأ في خضرة مصر وتتزوج في ربوع الشام ثم تهجر في تلك القفار وتترك لا انس ولا حماية ولا زاد ولا شيء ، نعم لاشيء ..كلما شعرت بحياتي تفرغ من عزيز تذكرتها وهي تمكث في لاشيء ، ولكن بيقين أنها بجوار ربها وهو كل شيء ، سبحانك اللهم نعم المولى ونعم النصير ، أمنا هاجر تلك التي تزوجت من سيدها وله زوجة قبلها عزيزة وحرة ، ها هي تتبعه في رضا إلى المجهول ، ويتركها فلا تشك فيه وتقول انه عاد لزوجته ،رغم أن هذا التأويل وارد ، بدليل أن الإسرائيليات تتبناه وتقول عن نبي الله إبراهيم - حاشى لنبي أن يفعل – حمل هاجر وابنها لمكة رضوخا لأمر السيدة سارة وهو عليه السلام الذي لا يأتمر إلا بأمر ربه ، وهي إن كانت ظنون تتفق وضعف البشر ، لكن أمنا هاجر برئت منها ، لم تشك ولم تجزع ولم تحقد ولم تخون ولم تفرط في أمانتها ، بل وما يربي المسلم ويكبح قلق الأنوثة في نساء العالمين إنها عندما سألت زوجها الصامت الذي أدار ظهره ومضى ، لم تشتط غضبا ، وما أصعب هذا على الأنثى ، خاصة ومن تركت وراءها ما تركت السيدة هاجر ،،لكننا نراها تسال زوجها بموضوعية وعمق يفتقدهما مفكرين ومحللين ومدعي رؤى: هل الله أمرك بهذا؟
فقال إبراهيم عليه السلام: نعم.
قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا.
وسار إبراهيم حتى إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله:
" رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ " إبراهيم 37
هاجر تلك التي هاجرت وهُجرت وعانت من لفح الهجير ، تضرب مثلا في الإسلام لله والتوكل واليقين ، ثم عندما تأتي الشدة ، مثلها مثل باقي البشر تدعوها الفطرة للسعي وصوت رضيعها يملأ الوادي فتجري بين تلتي الصفا والمروة ولا تيأس ، سبحان الله ،لما لم تتوقف وتيأس ، فبرغم الإسلام لأمر الله هي تثبت بالسعي أنها لا تقنط وأنها ما رضخت إلا لأمر ربها لا لعجزها وضعفها ، ثم هاهي تكون سببا للعمار ولمولد العرب العدنانيين ولإحياء مكة بعد ان صار زمزم بئرا يسقي من يمر تلك القفار ، بما حققت هذا.؟ بالصبر وحده واليقين لا بمناطحة السحاب ،ببسط الود للناس لا بالبخل وإخفاء النعمة ، أمنا هاجر تثبت أن باستطاعة المرأة الصالحة أن تبني امة وبدون أي مورد مادي ، باليقين وحده ، فكيف ببناء الأسرة ، أمنا هاجر / القوة و الإيمان والعطاء والأمانة والإخلاص فخر نساء الإسلام اهدي سيرتها لمحبيها من امة الإسلام .

كل عام والإسلام والمسلمين بخير.

الأحد، 13 فبراير 2011

كل حب وانتم بخير

لوحة للفنان الليبي عوض اعبيدة
عيدان يطلان علينا .. عيدان والرغبة في الاحتفال تنغصها دعاوى تحريم الأعياد .. البعض يستنكر الاحتفال والبعض يؤكد أهميته والغالبية تحتار بين احتفاء خفي وعلى الضيق ، وبين احتفاء مبتور خائف من شبح التعيير ...
عيد المولد النبوي الشريف .. ومظاهره من قناديل وحلوى والعاب وأهازيج .. وعيد الحب ومظاهره من كلمات ورسائل وهدايا بين المحبين ..
ترى ما يمكن أن نفعل امام حيرتنا ..ما يفترض ان نجيب به أبنائنا ..هل من حقهم الاحتفال بالمولد كما احتفلنا نحن ، كما منحنا أنفسنا باقة من الذكريات الحميمة غذت فينا الانتماء للوطن وللثقافة الإسلامية .. ام نمنعهم من الاحتفال بحجة ما يشوبه من فوضى وأضرار وبدعوى ان الاحتفال بدعة وان للمسلمين عيدين هما عيد الفطر والعيد الأضحى ..
اما عيد الحب فمن يجرؤ ان يدافع عنه غير الفاسقين ..!
وبداية سأعلن اليوم فسقي احتفاء بحق الناس في التعبير ..
لن أعارض أبدا ان أعيادنا هي العيد الأضحى وعيد الفطر ولكن ليست وحدها ..فكل جمعة هو عيد وليلة القدر هي عيد غير محدد وبالتالي يحيل تربصنا بها أواخر رمضان كلها أعياد بل يحيل رمضان كله ..
وعرفة وعاشوراء لأنها مناسبات للتوبة وكذلك يوم الجمعة أيضا لأننا نتربص به ساعة للمغفرة والتطهر واستجابة الدعاء ..
اذا العيد في المفهوم الإسلامي هو كل مناسبة للتطهر واجابة الدعوة واكتساب الثواب ومضاعفته ..
ثم وبناء على هذا التعريف لن يكون عيد المولد النبوي عيد إسلامي فهو ليس مناسبة للمغفرة او الثواب ..
ولكن هو عيد إنساني لا يمنعنا ديننا من إحياءه .. فوفق ما تعلمه لنا الثقافة الإسلامية من قيم نعتبر الاحتفاء الفردي لا يعزز الثقة في الإحساس كما يعززها الاحتفاء الجماعي ولذا فاجتماع الناس على كل شعيرة هو سبب مستقل لتعميق إحساسنا بها وتأثيرها علينا .. لذا تأخذ صلاة الجماعة قيمتها ويجتمع الناس على الحج وعلى الصيام وعلى الزكاة ويكون الاجتماع بالمكان والزمان او الزمان وحده ..
إحساس الإنسان بوجود آخرين يشاركونه رؤاه هو سبب يقينه بهذه الرؤى ويكاد يكون هذا هو دافع الدعوة للخير والإصلاح كما هو دافع الدعوة الى الفاحشة ..
اذا فالخلاف حول التسمية ومدلولها (عيد ) .. ولكن الا تجمع القيم الناس..؟
ألا نحدد يوم للبيئة ويوم للشجرة ويوم لمكافحة التدخين ويوم للأم ويوم للمرور ..؟
ألا نتفق على الاحتفاء دائما كاستجابة لرغبتنا الطبيعية في تعميق القيم وتحقيق التناغم والتعبير عن الوفاء لأشياء ندين لها بالفضل ..السنا نقيم مهرجانات التكريم للمبدعين والرواد وأصحاب الفضل ونعلن إحدى مدننا عاصمة للثقافة لتتحد رؤانا ونجتمع ونمارس جميعا التعميق والإعلان ونستلذ بما فيه من دعم ويقين ..
لما لم نسمع شيوخ يعارضون الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التدخين ..وان كنا سنخالف العالم و نستهن به ألا ينقل هذا لنا قبل الآخرين رسالة أننا لا نبالي بانتشار التدخين ..
الاحتفال ليس عبادة ..هو نوع من التذكير بقيمة يتفق البشر على أهميتها .. وباعتبارنا امة محمد ونحمل اسمه وسندخل بشفاعته الجنة فان في داخلنا إحساس بالامتنان يدغدغنا في يوم مولده ..
ولا يتعارض هذا مع تفكرنا له يوميا عليه الصلاة والسلام بل يتكامل معه ..
اتحدث هنا عن خصوصية المناسبات ككل وكونها فرصة لتكثيف الإحساس بإعلانه ومشاركة اخرين به ..انت مثلا تحب ابنك و تقيم حفل لنجاحه ..باركت له يوم نجح واليوم بعد أسبوع تبارك له بشكل أخر ..لأنك من خلال الاحتفال تتشارك مع الناس في هذا الإحساس وهو ضروري لك ولهم ..
هذا التذكر يشيع فينا نوع من الولاء ويعمق فينا الإحساس بالانتماء وبالتالي هو يهيئنا للتشبه وفق مثلث الحب (الانتماء ،التشابه ، الاقتداء ) وفق ما يقدمه الدكتور عبد المنعم الحفني في موسوعته النفسية ..
لنكبر العدسة قليلا .. علام نحتج ..؟
مظاهر الاحتفال ..الصراخ والمتفجرات والأغاني المعزوفة .. ام مبدأ الاحتفال..؟
اتمنى ان يدافع وعاظنا عن أهمية الالتزام بهيئة الاحتفال لا بمبدئه فللناس حق الاحتفاء والاحتفال بكل ما يدينون له بالفضل ..
و الأعياد التي يتم الاعتراف بها هي أيضا فقدت معناها بسبب مظاهرها ولم يبقى لها من العيد إلا اسمه ..
الجمعة / من يقضيه في ذكر ودعاء ..؟
بالمقابل من يقضيه في سوق الجمعة او في غسل وتنظيف او في نفاق وضغينة أو في رحلات وترفيه تلهيه حتى عن صلاته اليومية المفروضة ..؟
عيد الأضحى / عيد للملابس والشواء ..
وعيد الفطر / عيد الكعك والحلوى ..السنا نسميها هكذا (عيد الكعك ) و( عيد اللحم ) ..ألا يؤلم وعاظنا هذا التغريب وهذا القتل وليس الابتداع ..؟
ألا يقضي الرجل المسلم يوم عرفة يفكر في أضحيته ويلف الأسواق حتى آخر ساعات الليل..؟
لحظة من فظلك أخي الحر ..احتفظ بحقك وحقي في التنفس .. عذرا اتركني بيني وبين ربي ..اتركني اقنع بتبعيتي ولا تؤلمني بتذكيري باني ليبي ومدجن بموروثي .. ومقيد بسيناريو اجتماعي ممل .. او قل خيرا .. ان كنت تؤمن بالله واليوم الأخر ..
ارحمونا من تحميل الجوهر عيوب المظاهر التي لا ترتبط به موضوعيا ..
من قال ان المولد النبوي بارود ومتفجرات وأطفال يتأصل فيهم التسول وتقتل فيهم عزة النفس، يحملون أكياسهم يزعجون الناس ليجبروهم على إعطاء الحلوى كأنها خراج ..!
..من قال ان الأفراح هي عري ورقص ماجن ..من قال ان التعزية عويل وشق جيوب ..من قال ان الحب هو خلوة أو إغراء أو انتهاك لحدود الله ..؟
نتحجج بكون الاحتفال بعيد الحب هو احتفال بشخصية لا تنتمي لديننا وأنها لا تستحق الاحترام وهذا مقنع جدا .. لكن من قال ان المحتفلين يحتفلون به ..!
انه نفس التفريغ ، فمثلما فرغ الأضحى من محتواه ومن علاقته بسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام .. فرغ عيد الحب من ( فالنتاين ) ..عيد الحب عند من يهتم له - حتى من المسيح - هو فرصة للتعبير عن الحب حيث يجد نسبة كبيرة من البشر صعوبة في التعبير عن مشاعرهم ..وحيث تصطبغ بعض العلاقات نتيجة هموم الحياة وطول السنين بالخمول فتكون المناسبات بصفة عامة فرصة لاحياءها كعلاقات وهذا الأهم ..
قال سيدنا محمد يوما انا اولى بموسى منهم عندما شارك اليهود في سنتهم ولكنه خالفها في الطريقة والاسلوب ..ونتعلم من هذا ان التشبه المقصود بالانكار هو تشبه الاسلوب .. المسيح يصلون ويصيمون ونحن كذلك لكننا نخالفهم في الطريقة والمفاهيم وهذا الاصل .. الا نجرؤ ان نرسل لهم رسالة اننا أولى بالحب منهم ..وناخذها مناسبة لنصبغ المناسبة بثقافتنا ونحرر الحب مما الصقوه به ..؟
عندما يحتفل الزوجان بعيد الحب معا ففي هذا رسالة راقية بالإخلاص والاقتناع ..وهو يتوافق كثيرا مع نفسية المرأة التي تشعر دائما بقلق ويلاحقها شبح الأخرى ..
طبعا المناسبة ليست عيد الحب وحده ولكن ما ضير ان نلتمس كل مناسبة في التوقيت او في الكلام ..يحضرني حديث ام زرع وهو حديث طويل للرسول عليه الصلاة والسلام حدث به زوجته الصديقة بنت الصديق فطمئنها قائلا .." أنا لك كابي زرع لام زرع غير اني لا أطلقك " نجمع طبعا على عقل الحميراء وحكمتها الا انها انسانة وهو لم ينكر عليها هذا ..وتفهما له يلتمس مناسبة لطمأنتها وتهدئة ظنونها ..
هل سيفقد الرجل المسلم دينه او تختل عقيدته ان همس بكلمة حب او قدم هدية لزوجته..او قنديل لطفله ..؟
سيقول قائل ان هذا غير مهم ولكن فيما يتعلق بأمر الزوجان فتلك التفاصيل سر تميز ما بينهما .. وفيما يتعلق بالاطفال وما يعنيه لهم القنديل وكونه هدية من الأب فانتم أدرى ..
ليست المرأة وحدها تهتم للتفاصيل بل الرجل أيضا يتحول الى مخلوق دقيق و حساس عندما يحب .. يقول نزار /
" شئون صغيرة ..تمر بها انت دون التفات ..تساوي لديا حياتي " ..
في مجتمعات كبت مثل مجتمعنا نواجه دائما صعوبة في التعبير عن إحساسنا تسبب في تغريبنا عن من حولنا
ان كان عيد الحب هو مجرد مناسبة وحجة سنوية نتدرب فيها على التعبير فهذا وحده سبب مهم للاحتفاء به ..
شخصيا اعتبر ان كل ايام المحبين اعياد و أعياد من حرموا الحب مأتم ..
سؤال /
ما سنحقق بمنع الناس من الاحتفال هل سنمنع كل جنس من التفكير بالجنس الأخر ..؟
هل سنحرّم الحب تحديدا .؟
وهل سنطاع لو أمرنا بذلك..؟
هل الحب مسئول عن ما يرتكب باسمه من فسق وتجاوز ..
الحب هو سبب رئيسي لترتقي نظرة كل جنس للأخر وتسمو .. لتعبئ حياتنا السكينة والرحمة
منعنا الحب فما جنينا ..اسعدوا اذا بتتبع ما نسمعه من جرائم بين المحارم وأفراد الجنس الواحد ..للأننا تجاهلنا بشرية البشر واحتياجهم ..
لما لا نحول عيد الحب لمناسبة نتحدث فيها مع أبنائنا عن حقيقة الحب ..نخلص صورته من ما يشوهها في الأغاني المصورة والأفلام ..
لما نتركهم لجهلهم ونتذمر من نتائج خوفنا وتعامينا ...
استعدوا لقنبلة انفجرت ستطيح بكل اقنعتنا ..استعدوا لاجيال ستتعامل معنا كمخلوقات بائسة تتقنع بالهيبة والحكمة وتتوارث سياسة النعام.. فتتخطانا في تفهم وشفقة وتبحث وحدها عن قيم بديلة .
يذكرني حالنا عندما نمنع أبنائنا من المحبة بحجة الخوف على أخلاقهم ونتجاهل حاجاتهم النفسية..بحال ذاك المسيحي الذي اجبر على الإسلام ولم يعرف بقيمته وجماله فكان يقول كلما قرع جرس الكنيسة (هيييه ، اللي فالقلب في القلب يا كنيسية )
هل أخفتكم ؟ ..اطمئنوا سيستمر الادعاء والكذب والازدواجية ..لا عليكم اعتدناها ..أصبحت احد سمات شخوصنا ..تأكدوا لن يفقد أبنائنا هويتهم الليبية ، سيتمتعون بنفس الهشاشة والزيف ..
إعلانا عن فسقي .. سأحتفل بكل جميل ، بكل مناسبة للمحبة وسأصبغها بإحساسي وأسلوبي..
سأحتفل بمولد الحبيب عليه صلوات ربي وبعيد الطفل والأم وكل مناسبة للاحتفال وسأسعد كثيرا لو شاركت باعياد / الشاي الأخضر، وأطفال الكشافة ، وطائر السنونو ، وزهر الليمون ..!

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

دنيا الرعب والبساطة


لأنها كانت (محترمة وزوجة لرجل) لم تكن أمي تعرف ما يدور خارج الباب، كانت فقط تتخيل أن البرد في الخارج أكثر منه في بيتها، ولأنها ليبية العقلية كانت لا تتجرأ ويكون لها اجتهادات ذهنية ، لم تتعلم هذا النوع من التطاول فهي طيبة (درويشة) ولا تشغل مخها في الاستنتاجات هي تأخذ ما تسمع من أفكار وتلتزم به حرفيا ( ببساطة )، لذا لم تدرك خلال الأربع سنوات المتتالية التي كانت تشحنني فيها بالمرض حقيقة سلوكها، كانت بحرص وعطف ظاهر تثقلني بالملابس(تقلفطني) لتحميني من برد الصباح، ولم يخطر في ذهنها الموجه أن تناقش أو تتخيل موضوع المطر ، فلا مطر في بيتها، وأبي بدوره ( دار اللي عليه ) حيث لكل منا ثلاث أحذية (قنباليات) تصل إلى ركبتيه...
ونخرج يوميا لنسبح حتى المدرسة، كانت قريبة، نعم حوالي مائة متر، وهذا وفق منطق أبي سبب في تتفيه كل العواقب لأنه يقيسها بالمدة ، مدة وجودنا في الطريق لا بطبيعة الطريق التي قد تكون متران وتضطرنا للسباحة ، الإنسان في بلادي هكذا، يمسك بجانب واحد في التفكير (أحادي النظرة) وان حاول أن يكون شموليا ومتعددا وصف بأنه معقد ،لم اغضب عندما سمعت كثيرا من صديقاتي "كنك هكي اتعقدي في الامور" على اعتبار ان التسطيح بساطة، وهي افة فكرية تعطل عجلة التقدم في حياتنا فكل قراراتنا تتحمس لجانب وتتغاضى عن البقية لتشكل فيما بعد اسباب لتداعيها، فعندما كان يسألني مديري سؤال كان يلحقه بطلب " جاوبيني وباختصار" ، "نبي كلمة وحدة ، ليش ..؟ " طبعا هذه ال ليش تحتاج لشرح فالتشعب طبيعة الحياة ، وأجدني في مأزق وتأبى أخلاقي أن أريح اعصابي على حساب مصداقيتي وأقول"لا اعرف"، وتنتهي عادة بان اشرح بينما هو لا يصغي لي وإنما لصوت في داخله يقول" ما اكثر دوتها " لهذا لم و لن يسمعني يوما و لكن لا ادري لما يعود ليسألني مجددا، ربما ليجدد إصغائه لصوت ذاته التي تستسيغ الإدانة كطريقة ليبية لتقدير الذات" سبق العيب في بنات النسا قبل ايشوفنه فيك" أو لأننا نستمتع بالتذمر والشكوى ، تنصحني أمي التي تخاف ان اتعب في حياتي على حد تعبيرها " ما تمسكيش في الكلمة البنادم مش كل كلمة ايقولها يقصدها"، أتعجب، أيفترض بي ان أخاطب الناس كمعتوهين..!!! واقدر لماذا يسمع الناس بربع اذن ، لانهم "ما يمسكوش في الكلمة " يمررون الكلام وهم يركزون على رسم الابتسامة وهز الرأس وينتظرونك لتصمت فيقولون أي شيء لا يقدم فكره، بدون جدل و"دواخ راس" وانما كلام والسلام.
قبل محاضرات الجامعة كان الطلاب يجتمعون حولي ليردعوني" فكينا من الأسئلة خليه يكمل محاضرته ويطلع، بعد تسأليه يرد ومعش تحز"، لا ادري أكنا طلاب علم أم رافضي علم !!!! .. ثم عرفت اننا رافضي تشغيل ذهن .. وعذرتهم عندما استغرب الاستاذ درجتي واستكثرها علي .. فانا - كما وصفني - اخر طالب يفهم الدرس واكثر طلابه ثقلا عليه .. تندر قائلا : " انت تحتاجي لساعة تسألي فيها زيادة عن كل ساعة في المحاضرة " .. اييييه .. ليته كان يجيب اي من تلك الاسئلة .. " الله يطريه بالخير " ..

لو كانت أمي تمسك في الكلمة ( عندها حس لفظي) لتذكرت إننا نسكن في (البركة) واعدتنا للسباحة عوضا عن المشي، احمد الله كثيرا عندما أتمشى اليوم في (البركة) حيث كنا نقيم وأهنئ أطفالها بحظهم الأوفر, في حين تميل صديقتي للشكوى وتقول نحن جيل الروماتزيوم ، فأحاول أن اتندر بتذكر أن الماء يصل لأكتافنا بينما تصل أحذيتنا للركب ، كم كنا محظوظين بمعلمات في غاية الإنسانية، حيث تقوم المعلمة بخلع أحذيتنا وملابسنا ونشرها يوميا وكأنها مكلفة بهذا،لم نكن نتعلم الكتابة بقدر ما تعلمنا قيمة أن نحاط بالرعاية، وان تكون الطرق معبدة ، أتذكرها فأحييها، وأدعو لها وأنا أشاهد برنامجا تربويا عن دور الأم في تعليم ابنها ارتداء الملابس لوحده، وأتذكر من جيلي من كان تمضي الخمس أيام ولا يغير ملابسه ولا احد من أهله يلاحظ ،وتلاقيت بأحدهم مؤخرا وهو يملك ويدير محل للملابس الراقية...!!
" المتربي من ربي" هذه عبارة أمي ، ربما بفضلها أو بفضل طيبتها كان لها ولمثيلاتها البسيطات باقة من المتربيين بدون جهد منهن.
يرى زوجي أن نغير مسكننا لأنه يبعد عن مقر عمله ويقترح بديل في منطقة مليئة بالحفر، وأتذكر برعب طفولتي البائسة واحضن أبنائي بقوة وأقول " وانت اللي توصل العيال للمدرسة "، ويهز رأسه بالإيجاب ، ويستنطقني رعبي مؤكدة : " يوميا " يكرر بنفاذ صبر : " يوميا " واسرح ، ترى هل سيلتزم بوعده أم كان "يفوت وما يمسكش في الكلمة" ويفض السيرة وكفى، وتستيقظ عقدي، وتلجمها ثقافتي ، وأجيب نفسي بان البدائل محدودة وهو مضطر، وأوافق على زيارة المكان وتفاجئني الحفر وأصرخ :" مستحيل" ، فيندهش" بسم اللهي ، ماكنتي اكويسة، واقتنعتي ، قتلك واللهي ح أنشيل العيال "... وأجيبه " أنخاف عليك، هذين حفر يوارن السيارة مش غير العيال .. تأخر عليا ساعتين وانا مطمئنة خير من تقرب مني ومن دنيا الرعب هذي"..
اكتب هذا وأنا أتساءل ما المعايير الأخرى التي أهملها وسأفاجأ بها بعد الانتقال...؟ فعيني لا ترى إلا الحفر وعيني زوجي تغطيهما ساعته التي تحسب المدة، أتساءل : هل اتبع ضميري وأنصف قراري وأفكر بشمولية وأبدأ بحصر ميزات البيت وعيوبه..؟، أم استغلها مناسبة لأتعلم البساطة..؟
وتجيبني تجربتي: على رأس من ستصب البساطة لعنتها...؟

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

المشاركة والتجاوب وعلاقتها بالابداع ..

إهداء للصديقة سهام الجيلاني
التي قالت /

(( هذا يحفزني ويلهمني لكتابة بحث عن المعلقين عن المدونات وحضورهم في المدونات ومدى إضافتهم لها والعلاقة بين المدونة ومتابعيها لعلني أحقق سبق ما .. فهل أجد عندك التشجيع والتحفيز ؟ ))





قبل سنين كنت أتربص بالأستاذ الشاعر حسن السوسي لأرافقه يوم الأربعاء الى ان يصل لدار الكتب الوطنية ...كنت اعتقده يعمل هناك ..ثم باغتني مرة وقال / يمكنك ان ترافقيني لدار الكتب يوم الثلاثاء ايضا ... قلت( ياريت يا أستاذ لكن عندي محاضرات) .. واعترفت خجلة بتحججي برفقته في الحافلة لاغتنم الفرصة وأحدثه ، وسبب خجلي ثقافة سائدة تعيِِب الحوار والكلام وتقدس الصمت ..
ضحك كثيرا واعترف ببساطة انه يأتي أيضا لأجل الحوار أو (الهدرزة) كما سميناها ..وان لا عمل لديه بالدار ولكن إيمانه بقيمة الحوار في إحياء الثقافة لدى الناس ولدى المثقف هو سبب حرصه على الحضور لدار الكتب فيمكنه ان يقرا في بيته ولكنه يأتي لأجل مقابلة الناس.. ومن ذاك اليوم كنت احضر مع غيري لنتحدث معه ومع غيره ..ببساطة كان هذا أهم دروس الحياة بالنسبة لي ( الحوار والنقاش والتفاعل هي روح الثقافة ) ..
في الفنون تعتبر الفنون التي تتأثر بالتفاعل الاجتماعي هي أسمى الفنون حيث يعد هذا معيار قيمة للفن ..لذا لا جدال بان المسرح حالة إبداعية خلاقة لا تضاهيها ولن تضاهيها السينما او التلفزيون رغم التفوق التقني فيهما .. لان في المسرح روح تتجدد و تسمو بسمو الطرفين المبدعين والجمهور .. حتى اننا نسمي الحفلات التي تجمع المطرب بجمهوره ( حفلات حية )... ومثله في العمارة ... نعتبر ان مخططات المدن التقليدية والتي تعكس روح المجتمعات والتي تتكون نتيجة تفاعل بين الإنسان والبيئة وبين الإنسان والثقافة وبين الإنسان وأخيه الإنسان هي تجارب فنية أكثر نضجا وثراء من تلك المستقلة والأحادية النظرة مهما تطورت تقنيا...
المشاركة والتفاعل بين أطراف أي عملية حيوية هي مؤشر امتداد ونمو العملية لذا كان أهم قوانين الطبيعة على الإطلاق هو (( لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه ))...
وبمعنى أخر ان وجود رد فعل في أي سلوك هو إشارة لكونه طبيعي ومتزن وحيوي .
لذا كان التشريع السماوي أيضا متفق مع هذه الطبيعة فتوافقا مع هذا المبدأ كان جزاء الإحسان هو الإحسان و وجب على المسلم رد التحية بمثلها بل بأحسن منها ان استطاع ورد المعروف أو شكره ..بل ورد العدوان أيضا .. هذا ليحافظ على توازنه وبالتالي فطرته الجميلة ... لان الإسلام دين الفطرة والجمال والسمو..
ولعل أجمل صور التفاعل والمشاركة ترديد المصلين وراء الإمام ( آمين ) ... ولعل اهم دروس الفطرة في عقيدتنا ان العمل الجماعي أكثر ثواب من العمل الفردي ..أما فيما يتعلق بالحوار فله خصوصية أخرى .. حيث أمرنا بحسن الاستماع ومن هديه عليه صلوات ربي وسلامه انه كان يدعو (اللهم اجعلنا من اللذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه) .. حتى انه يقول (الدين : نصيحة ) اذا الحوار هو فرصة لأعيد ترتيب أفكاري ومعايرتها والنظر لها من زوايا جديدة .. ومتى تكلل الحوار بالحب فانه سيكون متعة ودعم وفرصة لتتسع عقولنا بتوحدنا مع عقول محاورينا ونكبر بهم ومعهم ..
وبدل ان نكون 1+1 =2 ..فإنها ستكون 1+1 = 4 ..بمعنى اثنان عندك واثنان عندي ...ومن هنا فان مبدأ (التوافيق) في الجبر هو مبدأ نمو معتمد على المجموع ...وما أروعه من اسم (توافيق ) ومما يتناغم مع اثر كل عمل قائم بروح الجماعة فهو بالتأكيد عمل موفق ..أليست يد الله مع الجماعة ..؟

ونطلق بداهة كلمة (بركة) على العمل الذي يجتمع عليه الناس ليتعاونوا فيه ..والبركة هي النمو والتوفيق معا ... لذا فان مقولة مثل (ما خاب من استشار) تلقى صدى وقبول لدى أي صاحب فطرة .. و(البركة) عكس البوار والخيبة ..
جميلة هي صور الحوار المتناغم والمكلل بالمحبة وحسن القصد ..بل هي أجمل صور الوجود عند العديد من الفلاسفة والفنانين .. ونسمي رد الفعل لكل حوار بالتجاوب ... اسمعي لقول الحق يصف التجاوب الكوني البديع /
( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ)(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) فاطر : 9 – 10 ..
وفي الآية نلمس مستويات النمو والتداخل في الحوار الكوني البديع فالسحاب تتجاوب مع الرياح وترسل مطر تتجاوب معه الأرض والنتيجة هي (الحياة ) ..لذا ستجدين الحيوية ملمح لكل عمل ابداعي يعتمد التجاوب والتداخل والتفاعل ...
ويكون منطقيا ان تلي هذه الآية والتي هي وصف للحياة صورة ستتكرر في (النشور) وهي الحياة الثانية ..اذا أحياء أي شيء وإنماءه هو نتاج طبيعي لتبني نفس الفلسفة إبداعيا..وهذا ما تقوله لنا الاية التالية التي تتحدث عن قيمة العمل والكلم فلم تلحق بسابقتها مصادفة ..سبحانك اللهم ما ابدع كتابك ...
ومن البديع - سبحان الله - ان هذه الاية الجميلة جاءت في سورة فاطر والتي تتحدث عن خلق الله وجمال الفطرة وانها معيار لكل كمال وجمال وصلاح ..
ولعل سبب استساغة وانتشاربيت شعر يقول / قد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي..ان البيت يشير لحقيقة توافق الفطرة وهي ان إجابة النداء دليل للحياة ..
ان يلمس احدنا اثر عمله لحظيا فهذه نشوة تلهمه الى جانب كونها تشجيع يدعمه ..ما قصدت بنشوة ..؟
مثلا ..احدنا يجلس بجانب ماء راكد ..فيشعر بالاحباط فيرمي بحجر بالماء فتروق له صورة الدوائر المتتالية التي تشكل رد فعل الماء للحجر ..طبعا هي جميلة لانها رسالة لتأثير هذا الصغير (الحجر ) بالكيان الكبير ( الماء ) ..ولان اتساع الدوائر اشارة لامتداد الاستجابة وحيوية الوسط ..
وبالمثل.. صوت حركة الموج وصوت الخرير ..سبب لتبديد توتر من يجلس بجواره لانه يتحد وجدانيا بإيقاع الصوت ومن ثم يستسلم لرد الفعل الطبيعي مما يوصله للتوازن...
مشهد التجاوب دائما هو مشهد بديع .. حتى ان مجمل الانعكاسات هي صور جميلة ..فقوس قزح ونور القمر هي أجمل من الضوء نفسه ..
وانطلاقا من موقع التفاعل من الإحياء وموقع التجاوب من الجمال لنا ان ننظر لأهمية التعليقات بالنسبة للمدونة .. لأنها احد صور التجاوب خاصة وأنها تتصف بالحرية فلك أن تعلق دون ذكر اسم لتقول ما تحب دون قيود وادعاءات .. وهذا يعني أننا سننظر للتعليقات على أنها أدب جماعي أو أدب تفاعلي ان صح التعبير...
يعتبر مفهوم التأثير المتبادل هو احد متطلبات الإبداع الفراغية ويشكل هاجس لدى مصممي الديكور (التصاميم الداخلية ) اذ تصبح علاقة الإنسان بالمحيط وتعاقب الفراغات وتواليها ومدى انسياب واستمرار فعاليات نشاطه بنفس المستوى من الانتماء للفراغ هي سر جمال وخدمية الفراغ الداخلي ..
يمتد هذا المعيار ليكون متطلبا علاجيا في علم النفس ..اذ تعتمد بعض المراكز العلاجية توفير فراغات تحقق التفاعل بين الإنسان وبيئته ..او بين الإنسان وآخرين غيره ..ولعل أوضح ملامح هذا المتطلب الفطري هو ميل الناس للتشارك بالأحزان وتأكيد كل الثقافات على أهمية التعزية وتقديم العزاء في المأتم ..حتى ان البعض يعتبر ان مجرد التجاوب المتفهم والتلقائي مع الشخص المعبر عن الحزن هو علاج له ...حيث يساهم في إحياء فطرته وموازنتها ...
بنفس الفلسفة ممكن ان نقرا التجاوب في حاسة اللمس ولا داع من مناقشة دورها في التواصل والدعم الاجتماعي ولكنها تمتد لتصبح اساس لأسلوب علاجي يعتمد التأثير المتبادل للطاقة بين يد المعالج وجسم المريض في ما يسمى ب (الريكي) في الطب البديل ..
الناس خلقت لتتعاون ، لتتفاعل ، لتتشارك في كل شيء ..يقول عليه صلوات ربي مبينا معيار الخيرية بين الناس (خير الناس انفعهم للناس ).. ويقول سبحانه في سورة التوبة (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)..وتقول ثقافتنا الشعبية (الناس بالناس والناس بالله).
تستحق التعليقات ان يفرد لها بحوث لأنها مظهر الاستجابة والحيوية ومؤشر صريح لثقافة الحوار وحرية الفكر ، ولانها سبب لتوسيع افق المجموعة المشاركة.. تستحق الكثير من التقدير والتأمل وتستحق صديقتي سهام ان اهديها هذا التلخيص من مقال لي بعنوان (الاستجابة ورد الفعل ) وهو من سلسلة (الطبيعة مدرسة الشاعرية ).. وهي سلسلة مقالات ينفرد كل منها بظاهرة طبيعية كمعيار للتلقي .. رغبة في إحياء مدونتي باستجابتي لفكرتها الناضجة .

http://almedlal.blogspot.com/2010/12/blog-post.html#comments

الاثنين، 15 نوفمبر 2010

عيد أضحى مبارك

سبحان الله
والحمد لله
ولا الله إلا الله
والله اكبر
****
كل عام وأمة الاسلام بخير
ادعو الله ان ينصر الاسلام والمسلمين في كل مكان
اخواني زوار مدونتي الاعزاء اهديكم هذه التسبيحات الملونة بريشة الجميل / محمد طوسون




الاثنين، 1 نوفمبر 2010

زهرة الياسمين..

* لعبة الأحلام *

جنّيه هدَت..

فتاها الصغير.

لعبة الاحلام..

ووسادة وسرير.

وترجيبة بحنان تقولها..

ماينتهى مفعولها.

وعلماته..

العمر حلم..

ولو طوّل قصير.

وعلماته..

يفرد جناحه يطير.

وصار يطير في احلامه..

صار يقول في احلامه:

أنا مخلوق لك يامناي..

وشفت النور في عيونك.

أنا يا سيدة دنياي..

وروح الروح مجنونك.

أنا يازهرة الياسمين..

في قلبي ترعرعتي ..

كبرتي وصارلك رجلين..

وضفاير تشبهك انتي.

ومنّه وفيه في لحظه..

بديتي خطوتك الاولى..

الى هالقلب.

نشرتي العطر من حولا..

وفيه بحب.

وصرتي له ونس ليله..

وتميمه تلازمه في الدرب.

وتمّا عطرك المنعش..

يوسّم ذاكرة الاحلام.

يفوح بطيبه ويرشرش..

علي هالروح والايام.

وكل العطر في هالكون..

يبدو لي هو عطرك.

تأثّر بانفعالاتي..

مزج ريحه بلحظاتي..

سعيد..منتشي.. ورايق..

حزين جداً..ومتضايق..

قرنفل..زعتر..اقماري..

ازهيره..شيح..وشماري..

واكليل وعبير.
***


الشاعر سالم الكواش


التشكيلية سيشلي ماري باركر

مقاربة نقدية وقراءة في تجربتي الفنانين / الغنائي (سالم الكواش) ، والتشكيلية (سيشلي ماري باركر)

لعبة الأحلام... يعنون سالم الكواش حكايته بهذا العنوان فيذكرنا بالاتجاه التشكيلي الكبير الذي نزع لتصوير الأحلام وحكايات الجنيات ِوانتشر انتشارا شعبيا كبيرا عندما أهلكت البشرية بالحرب العالمية الثانية فرفضت واقعها.. وكان من أهم رواده (السير آرثر كونان دويل
Arthur Conan Doyle ) , و (بيتر بن, Peter Pan) ، والتشكيلية البريطانية (Cicely Mary Barker سيشلي ماري باركر) التي ذكرتني القصيدة بها بمجرد ان قرأتها...فكأن سالم الكواش في تعدد تجاربه الشعرية يتحول هو الاخر الي جني يقفز من زهرة لزهرة ويضوع عطرا مختلفا في كل تجربة جديدة... وعطره في هذه التجربة اسمه ( لعبة الأحلام)...
ويتفق سالم في تجربته مع هذا الاتجاه التشكيلي من حيث التماهي مع الطبيعة وكذلك النزوع للخيال والخرافة ..
ويتفق مع (باركر) بالذات في هذه القصيدة حيث يستخدم نفس اللغة ولكن شعريا... ويعرف عن باركر إنها رفضت إتباع مدارس ونظريات الفنون وابتدعت أسلوبها الخاص والذي نتج عن تأمل عميق للطبيعة بسبب نشأتها التي امتازت بالتدين واشتغالها بالتبشير المسيحي...واهم ملامح التجربة هي اعتبار ان لكل نبتة جنية ذاتية النشأة تشبهها في الملامح والانفعالات هي بمثابة روح للنبتة...وتشكيليا نرى في لوحات ( باركر) طبيعة التكوين والحركة و الإيماءات التي تتفق فيها الجنيات والزهور في وحدة بديعة فتأخذ الجنية نفس حركة وإيماءة الزهرة او النبتة ككل ، حتى ان بعض اللوحات تمثل سيرة مبسطة لمراحل عمر النبتة من خلال أوضاع وملامح الجنيات المصورة...
عندما قرأت (لعبة الأحلام) لسالم الكواش شعرت ان ( باركر) هي من كتبتها..
تجديد كبير في لغة سالم الكواش الشعرية وجرأة خلاقة...والغريب ان حتى التفاصيل التي تتناولها القصيدة هي ذاتها التفاصيل التي تحاول أن توصلها لنا لوحات ( باركر)... فسالم يستهل قصيدته ب(جنية هدت) و(باركر) أيضا ترسم الرغبة في العطاء كسبب لوجود الجنية بقرب الزهرة.. اما كلمة (فتاها الصغير) فقصة أخرى... فمن المعروف انها لوحة (باركر) التي اخذت بها عضوية لجمعية تتكفل بتعليمها وتتضمن لوحة لجنية وطفل صغير في سرير ووسادة..!
ألا يحق لنا الشك بأن (باركر) تبنت اللهجة الليبية لتبعث روحها من جديد في قصيدة غنائية ليبية جدا...!
اما وجود الطفل الصغير بجانب الجنية الزهرة والذي يشاركها أيضا نفس سمات الزهرة هي احد أهم خصائص لوحات (باركر) أيضا...فجنية زهرة التفاح وجنية زهرة الزعفران وجنية زهرة القرنفل وزهرة البازلاء الحلوة كلها نماذج - أرفقها بهذه القراءة - تحوي جنية وجني صغير اروع تسمية يمكن ان تطلق عليه (فتاها الصغير) ..
ويشير سالم ان الحوار هو مدخل الجنية لروحه وعقله ليتعلم منها الحلم والطيران حتى بدون أجنحة ، من خلال قوله: ( وترجيبه بحنان تقولها ما ينتهي مفعولها) .. أما قمة الشفافية والعذوبة - والتي لم تقلها تجربة ( باركر) بالتأكيد - هي طبيعة الطيران الذي وصفه سالم بسحر عندما قال
(صار يطير في أحلامه،صار يقول في أحلامه) ..

أنا مخلوق لك يامناي..

وشفت النور في عيونك.

أنا يا سيدة دنياي..

وروح الروح مجنونك.

وهو هنا يشير لكون الطيران بأجنحة الجنية ,لأنها (روح الروح وسيدة دنياه)...!
وان كان لكل قصيدة مفردة تشكل بؤرة لها فكلمة ( روح الروح ) هي محور القصيدة التي تبدو رغبة في التحرر من كل ما هو مادي وإعادة تشكيل (الشخوص والأجساد والعلاقات والانتماء) لتحطيم كل ما يحول دون الحب الخالص ، الحب الروحي...

يتحدث سالم عن اتجاه ولا يتحدث عن حالة ، فلم يقل انه يشعر أن العطر هو عطرها.. بل انه يعتبر تماهيه معها وتوحده لكونها جزء من ذاته سبب لتكون معيار تلقي عاطفي وانطباعي مرتبط بها ،فيقول : (كل العطر في هالكون ،هو عطرك) وان سيدة العطر ترجمت كل الانفعالات إلي لغة عطرية صرفة... جنية سالم الكواش تتفق مع جنيات النباتات في لوحات ( باركر) في كونها ذاتية النشأة... وهذه الذاتية أعطتها الانتماء والتشابه بداهة...فيقول..
أنا يازهرة الياسمين..

في قلبي ترعرعتي..

كبرتي وصارلك رجلين..

وضفاير تشبهك انتي.

ومنّه وفيه في لحظه..

بديتي خطوتك الاولى..

الى هالقلب
.

فنقراء التشابه في قوله : ( وضفاير تشبهك انتي) .. والانتماء في قوله : (ومنه وفيه) ...
الجميل ان سالم هنا يسميها باسمها (زهرة الياسمين) .. ولكنه يعطيها خصوصيتها من تكونها الذاتي بداخله.. وهذا ما يتفق مع قوله ( انا مخلوق لك يا مناي وشفت النور في عيونك) فيحيرنا من خلق من الاخر وخلق له هو ام جنيته...؟
لغة شفافة توظف الشعر بقوة وتؤكد تفوقه على غيره من الفنون... فبرغم جمال لوحات ( باركر) وخلودها إلا أن شفافية الشعر تعطي فرصة لتتوافق الذاتية في النص مع ذاتية التلقي فتعكس خيالاتنا صورنا الخاصة..فيرسم كل منا لوحته وجنيته..
تلفتني لغة الكواش الزمنية وإشارته لها بسلاسة فعندما يقول (ومنه وفيه في لحظة بديتي خطوتك الاولى) .. فانه يعطينا إحساس المداهمة والمفاجأة الذي يلف عالم الجنيات بالسحرفي مفردة ( في لحظة ) ... ثم عندما يقول (بديتي خطوتك الاولى ) فهي إشارة عميقة لبداية الفعل مع بداية التواجد وكذلك لاستمرار الفعل باستمرار التواجد (مجرد التواجد)... لأن العطر(الإحساس) هو ما نتج من تواجدها وانتشر بداخله وخارجه مما أعطاه كينونة جديدة وتعريف جديد..ووجود هذه الزهرة التي هي جزء من الذات ونتاج الحب هو وجود متعدد الخصائص فهو انس(ونس ليله) وحماية (تميمة تلازمه في الدرب) وحيوية (المنعش ،ويرشرش) وإلهام (يوسم ذاكرة الأحلام) ...
كل هذه الخصائص لوجود ( الجنية/ الزهرة) هي عميقة وشفافة (الروح) وكذلك هي متجددة ومستمرة (الأيام) ...وهذا الربط بين انطلاق الروح واتساع الزمن هو ربط بديع في النص فرشرشة الايام هي رشرشة الروح، وكذلك الريح التي هي روح العطر تمتزج باللحظات ( مزج ريحه بلحظاتتي ) ..اشارة جديدة لامتداد الزمن بالارواح العطرة..قد يهمنا ان نصدقها خاصة وان (العمر حلم ولو طول قصير) .
وفي هذه اللغة العطرية تكون عطور النباتات هي انعكاس لانفعالات الشاعر فيقول (سعيد ، منتشي، رايق ، حزين جدا ومتضايق) ثم يلحقها بدون أي حرف عطف ب (قرنفل ، زعتر، اقماري، ازهيرة ، شيح وشماري ) .. وفي هذا تشابه كبير مع اتجاه ( باركر) في التشكيل عندما تحمل جنياتها ملامح الزهرة وعندما تعتبر ان لكل نبتة شخصيتها وحضورها وانفعالاتها وان جنية هذه النبتة تحمل نفس الملامح في مظهرها وتعكس حركتها انفعالات النبتة...
التجريب هو خوض أفاق جديدة واختراق قواعد الفنون لتنفتح على عوالم أكثر اتساع بغية إحياءها وتعميقها وتجديدها... وقد يكون إصرار بعض التجارب الفنية على تعمد التجريب كفعل إبداعي سبب في خسرانها لشفافيتها ومصداقيتها وبراءتها .. أما عندما يكون التجريب نتاج طبيعي للإصغاء للروح وللكون والمغامرة الطفلة الضاجة بالإحساس فثمة صدق سيتألق كأغنية ممزوجة بالحنان (لا ينتهي مفعولها) ...

*************
بعض كتب ولوحات التشكيلية ( باركر) /




زهرة القرنفل

زهرة الخبيزة

زهرة شجرة البلوط

البازلاء البرية


الياسمين الاصفر

زهرة ابن اوى

زهرة الترنشاه

زهرة الغرنوق
زهرة التوت

زهرة الخزامى
زهرة التوليب

زهرة الزعفران


زهرة الصفصاف


زهرة الكرز البري

زهرة اللوز


زهر الليلك


زهر الشيكوريا
زنبق الوادي


زهر الليمون زهرة الاكبر

زهر التفاح


زهرة الخشخاش


زهر الكمثرى

زهر الفوشيا

زهرة شيرلي الخشخاش
النرجس