مرحبا بك..... هنا ...


يمكن ان نخبئ كل الفنون /



( قصيدة ، لوحة ، زيي ، قصة ، لحن ، مبنى، منحوتة ، مخطط مدينة ، رقصة ) في خابية واحدة مادتها الجمال ..

وفاء الحسين

الخميس، 24 يونيو 2010

قراءة نقدية في نص البندقية للقاص احمد يوسف عقيلة

ــ( نص البندقية لأحمد يوسف عقيلة )ــ
ـ( 1 )ـ … اختفت السماء في ذلك اليوم .. حجبتْها غيوم سوداء قاتمة.. مع حلول المساء ومض البرق وقصف الرعد .. فزِعت أُمِّي .. قفزت حافية .. أتت بصُرّة الإكليل .. حلّت العُقدة بأسنانها
على عَجَل .. وضعت قَبسة من المسحوق في الكانون ..أغمضت عينيها .. رفعت يديها إلى السماء .. بدأ الدخان يتصاعد في أرجاء البرّاكة .
ـ( 2 )ـ … تساقطت زخّات المطر الأولى .. أحدثت دويًّا فوق سطح الصفيح .. لمع البرق .. أدخلت أُمِّي أصابعها المرتجفة في الصرّة مرّةً أخرى.. هَزّ الرعد أركان الكوخ .. وجنبات الوادي .. الْتَهَم الكانون مزيداً من الإكليل .
اشتدَّ رَخّ المطر.. استمر البرق يضيء .. والرعد يُغربل جسد أُمِّي .. حتى أتَى على آخر قَبسة من إكليلها .. فقلَبت بقايا الصرّة وأخذت تَحتّها فوق الجمْر.
ـ( 3 )ـ … في منتصف الليل توقف المطر.. كنت أسمع هدير السيل في أَجراف الوادي .. وتساقط القطرات من زوايا البرّاكة .. ومن الصنوبر المقرور.. والجداول المُزغردة عقب الصحو .. واختلاجات الأعماق البُور تتشرّب البلَل .. ونداءات الذئاب .. أكثر المخلوقات فَرحاً بالمطر.. ومن بين فَرَجات الغيوم تسلّل القمر.. وتبعثر أقماراً في الغدران .
ـ( 4 )ـ … نامت أُمِّي .. منذ زمنٍ كنتُ أنتظر هذا السيل .. وهذه اللحظة بالذات .. حين تنام أمي .. أنزلتُ بندقية أبي العتيقة .. التي حارب بها الطليان .. ثم حارب بها الأحباش في ( بَرّ الحَبَش).. ثم حارب بها الحلفاء في (العلَمَين).. خرجتُ بخُطىً حذرة .. انحدرتُ نحو الوادي .
البندقية ثقيلة .. أخذتُ أُبدّلها بين كتفَيّ .. هذا ما تركه لي أبي .. منذ الخريف وأنا لا أعرف ماذا أفعل بهذا الإرث .. في حين كانت أُمِّي تنظر دائماً إلى البندقية القديمة .. المُعلقة في الزاوية إلى جوار قبضة السنابل .. تتنهد طويلا ً.. وتظل ساهمة .
… أشرفتُ على الجُرف .. السيل تحتي مباشرة .. في هذا المكان يتسع الوادي ويزداد عمقا ً .. تحسّستُ البندقية .. وزنتها بين يدَيّ .. ثم .. تركتها تسقط في الهاوية.. أَصَخْتُ .. حتى سمعتُ صوت الارتطام .. ثم طغى هدير السيل على كل شيء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ( المقاربة النقدية لنص البندقية )ـــ * وفاء الحسين *
* في البندقية قصة للتمرد ، رفض لكل القيود المتقنعة بالمجد ، التي توبخنا بقسوة وتعيرنا بضعفنا .. الأب الليبي المخدوع بالبطولة والمتخلي عن دوره الأهم كأب (رمز السلطة الاجتماعية ) ،الخوف والاحتياج للآمان .. للمأوى .. الألم ، ألم الكبت الناتج عن الإحساس بالذنب تجاه إدانة الإرث ورفضه ، الحب والإنتماء عندما تتحول قيود تضطرنا لخداع الأخر او التحايل عليه، القيم الظالمة التي تعيب التعبير والحوار فتضطرنا لمجاراة الواقع وادعاء اللامبالاة إن لم نكن قد ورثناها هي الأخرى ـ( هذا ما تركه أبي لي )ـ جملة تحدث صدع تردده جمل القصة الأخرى ، تقودنا لسؤال يتولد عنها ( انا ما سأ ترك لأبني ، مجرد حكايات يرويها عن ابيه..!!؟)…
من حيث وحدة العمل تأخذ القصة من الخوف كواقع والأمان كاحتياج ، مادة لها ، وهذا ما يتجانس مع عنوانها ( البندقية ) وهي رمز الآمان والخوف معا ً، ثم تتجانس الألفاظ والصور لترسم لوحة الخوف (سوداء ، قاتمة، قصف الرعد ، دوي ، المرتجفة ، التهم الكانون ، الذئاب ) ثم تتكاثر صور التوالد كرمز لتوالد الخوف من الخوف وإشارة الى لا نهاية ( القبسة أحدثت دخانا ًملأ الغرفة و الزخات أحدثت دوي ، والرعد هز الكوخ وجنبات الوادي معه ).. ثم يكتشف ان لكل شيء نهاية ( توقف المطر، نامت امي ) ويقدم النص النهاية كوجه للفرح ، كحلم ، مما يتناسب موضوعيا ًمع الآمان حيث تتلاحق الجمل الجمالية ( التأملية ) مشيرة لرهافة التلقي فيصغي بفرح مستأنسا ً بالنهاية.. ( كنت اسمع ) وتتلاحق الصور الجمالية ( الأعماق البور تتشرب البلل ، الذئاب تصبح رمزا ً للفرح ، تسلل القمر) والجميل ان الأمل ( القمر) أيضا توالد امالا ً أخرى (تبعثر أقمارا ًبين الغدران) ثم تأتي النهاية الأهم وهي البداية لنهاية رحلة الخوف المتكررة (نامت امي ).. (منذ زمنٍ كنتُ أنتظر هذا السيل .. وهذه اللحظة بالذات .. حين تنام أمي .) تبدو هذه العبارة حوار هرب به من الاعتراف بالخوف.. او تحليل الخوف .. ولكنها كفته عن قول : حين استيقظ انا لأعلن الرفض لأقهر الخوف لأرمي بوهمي في جب سحيق لإبدأ حياتي الجديدة دون ارث يكبلني…
( أشرفت على الجرف ، تحسست البندقية ، وزنتها ، تركتها تسقط ، أصخت حتى سمعت صوت الارتطام ) يبدو المتحدث في القصة بنضج كاف ٍ ووعي بما يفعل وهو ما نتوقعه من حياة الخوف الدائم التي تسبق السنين في الإنضاج مما يتماشى مع أي افتراض مسبق لعمر البطل ، ثم احتفالا ًبالنهاية وإرضاء ً لحواسه المكلومة وطمأنة ً لإدراكه المكبوت يتعمد إشراك كل حواسه في الحدث ( تحسست ، وزنتها ، أصخت ، سمعت ) وقبل هذا ( أشرفت ) كإشارة لتثبيت الحدث في الإدراك البصري اذ تشير كلمة أشرفت لمستوى النظر وشموليته ولحالة الإستقرار لدى الناظر…
ـــــــــــ تسلسل أحداث القصة : ــــــــــــــــــــــ
( وجود الخوف ، توالد الخوف ، إدراك النهاية، تذوق النهاية، قرار الإنهاء، التلذذ بالإنهاء )
أما من حيث الفكرة ، تقدم القصة دعوة للفعل وإنهاء الوهم او رفضه …
وجماليا ً تقدم القصة القيم التالية ( التوالد او النمو، الرمز متعدد التأويلات ووحيد الدلالة ، وحدة العمل ، البناء كتحضير للهدم والنهاية كبداية جديدة ( الحركة البندوليه ) ، العنصر المسيطر متمثلا ً في جملة "هذا ما تركه ابي لي"…
تحقق القصة الفتها من خلال / إثارة ذاكرة الحواس مما يميز لغة (عقيلة ) عادة ً، وتعمد الكلمة دقيقة المعنى بعدا ًعن الحشو ، حذف حروف العطف ما أمكن واعتماد الجمل الفعلية مما يعطي النص طابعا ًحيويا ًمنفتحا ًعلى كل العقول…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ( تنويه )ـ هذه آخر مقالة نشرتها في صحيفة الشمس ، باشراف المرحوم بلقاسم المزداوي

هناك 6 تعليقات:

  1. رائعا جدا

    بالتوفيق

    يحدث فقط فى ليبيا

    ردحذف
  2. الصديقة وفاء الحسين مبرررروك مدونتك الرائعة ولو أن زيارتي تأخرت الا اني استمتعت ..
    مدونة جميلة ورائعة لك كل الحب
    تقبلي تحياتي ولي عودة .

    ردحذف
  3. عبد السلام الحجازي28 يوليو 2010 في 10:29 م

    وفاء .. تزيد متعتي كلما كررتُ القراءة لهذه القراءة .. أنتِ تهندسين النقد .. وتزخرفين مفردات النصوص التي تعالجينها باستخراج بواطنها فتظهر وكأ في حلة جديدة وكأنها نصّاً جديداً . اشكرك

    ردحذف
  4. الصديقة الشاعرة سعاد يونس...زيارتك المتأخرة تدفعني لمقدمة السعداء والمحظوظين...شكرا لحبك وتحياتك ..وانتظر العودة..بمشيئة الله وبركاته..امتناني..

    ردحذف
  5. عبد السلام الحجازي .. تزيد بهجتي كلما اثنيت على ما اقدم..وتزيد ثقتي وحماستي ..تنبعث بواطني في حلة جديدة.. وكأن لي روح جديدة..تزخرفها القراءات .. الشكر لك..

    ردحذف
  6. hdoud... شكرا للمرور الكريم..بالتوفيق..

    ردحذف